قسم: مقالات المجتمع القوي
أضيف بتاريخ: 11 أبريل 2015
بعد تمكن مدفعية الحشد الجماهيري من الإطاحة برأس النظام، تتشكل مساحات كثيرة محررة، سواء على مستوى الحريات أو تأسيس المؤسسات وإطلاق المشاريع، أو اقتحام مجالات لم يكن مسموح للمجتمع أن يلج إليها من قبل. وهنا يكون دور المجتمع أن يشغل هذه المساحات لصالحه، ويرسي قواعد جديدة، ولا ينتظر من السلطة الجديدة أن تقوم له بهذه العملية، فيرضخ لبرامجها وجدولها الزمني لتطوير المجتمع أو يرضى بما ترميه له من فتات!!
وهنا تأتي أهمية الانتباه إلى عدم تحويل حرب اللاعنف إلى تكتيك تدمير الحصون فحسب. فإحجام المجتمع عن التقدم في المساحات المحررة سيصاحبه على الفور استثمار تلك المساحات من المعادين لمشروع التغيير، وربما تُسلب منهم هذه المساحات. كالأرض الفضاء التي لا يُبنى عليها شيئاً، حينها تكون عرضة لأن تستولي عليها أي مجموعة بوضع اليد.
تطوير القدرات للمرحلة الجديدة
إن الخطط الهجومية مرتبطة بالقدرات الدفاعية، وإمكانية التقدم للأمام مرتبطة بخطوط الإمداد والقدرة على مدها مسافات أطول.. وهو ما يتطلب شغل المساحات المحررة بكفاءة لا تقل عن كفاءة زلزلة عروش الطغاة. فالجماهير لن تظل فترة طويلة في العراء، ستعود إلى أقرب نقطة إمداد، وهي قد تكون بعيدة جداً عن ساحة المعركة، بسبب التقاعس عن بناء وتقوية المؤسسات والمشاريع في المساحات المحررة، والتي ستستوعب قدراً كبيراً من الناس.
في كل مرحلة من مراحل التغيير تجد سلاحاً فعالاً، يحتل المرتبة الأولى في الأهمية دون غيره، والوعي بالمراحل يعني الوعي باختلاف الاحتياجات التي يتطلبها استكمال المسيرة. فعلى سبيل المثال في مرحلة التحضير لحرب اللاعنف تأتي قوة شبكات التواصل الاجتماعي، وعبقرية اختيار القضايا الاجتماعية التي قد تشكل شرارة التغيير، وفي مرحلة الإطاحة بالديكتاتوريات يأتي في الأولوية كسر حاجز الخوف واليأس وحشد المجتمع، فبدون النجاح في الحشد سيظل المشروع في مرحلة التحضير.
وبعد كسر حاجز الخوف واليأس، فإننا نبشر بحركات ومجموعات عمل ومشاريع ومبادرات تقوي المجتمع، ليتمكن من استكمال عملية التغيير الاجتماعي، وتأسيس أنماط اجتماعية واقتصادية وسياسية وتعليمية جديدة، بعمل مجتمعي محض بعيداً عن سلطة الدولة. فإن حاولت الدولة عرقلة إرادة المجتمع، ظهر عنوان جديد للكفاح، يرتبط بإزاحة العقبة.
تكنيك حرب اللاعنف
إن تحديد هدف حرب اللاعنف مهم جداً، فهي تسعى إلى إزاحة العقبات التي تحول دون وجود المجتمع القوي، فإسقاط الديكتاتوريات فكرته الأساسية إزاحة العقبة التي تحول دون تدفق نهر المجتمع الجاري. وإزاحة العقبة يعني تحرير الطاقات، لكنه وحده لا يجيب سؤال.. وماذا بعد؟! وأين تتوجه تلك الطاقات؟!
إن لحرب اللاعنف تكنيك خاص، يعمل على ثلاثة محاور:
– إزاحة العقبات التي تحول دون تقدم المجتمع.
– استثمار المساحات المحررة لبناء المجتمع القوي وتأسيس أنماط جديدة (اقتصادية واجتماعية وتعليمية وسياسية الخ).
– تحصين المساحات المحررة بأدوات دعم ورقابة ومقاومة.
وبذلك تستمر الحرب بين إزاحة عقبة وبناء مساحة محررة وتحصينها. إنه تناغم بين الهدم والبناء وتحصين ما تم بناؤه. فالهدم يزيح العقبات التي تعترض مسيرة المجتمع وتعرقله، والبناء يزيد قدرات المجتمع لخوض مرحلة جديدة، ويمكنه من اكتشاف العقبات الجديدة ثم التصدي لها، والتحصين يعمل على صلابة مكتسبات البناء وعدم التراجع فيها.
وهذه الدوائر الثلاث تتحرك معاً في كل ملف من ملفات التغيير، وفي كل عقبة يراد التعامل معها، هي أقرب لعملية الحرث لتربة المجتمعات، وألة الحرث تتكون من هذا الثلاثي (الهدم والبناء والتحرير)، وكلما تم حرث جزء، زادت القدرات التي تمكن من الانتقال إلى مساحة أخرى.
إن حرب اللاعنف تبدأ من المجتمع، وتُخاض به، وتنتهي إليه بإيجاد المجتمع القوي، أي أن المجتمع القوي هو الهدف والوسيلة معاً في كل مرحلة من مراحل التغيير.
وائل عادل
13/5/2013