الخميس, 9 أبريل 2015
مقالات المجتمع القوي

طريق الحرب

قسم: مقالات المجتمع القوي
أضيف بتاريخ: 9 أبريل 2015

يهدف مشروع التغيير إلى بناء مجتمع قوي، يعاد على إثره توزيع القوة والصلاحيات في الدولة، لينتزع المجتمع مساحات كانت تحتكرها السلطة. لكن كيف يمكن بناء مجتمع قوي في ظل الاستبداد؟ هل بناء المجتمع القوي نتيجة لمعارك التغيير أم وسيلة تقود إلى التغيير؟!

لا يوجد حد فاصل بين الاثنين، فقوة المجتمعات نسبية وتتفاوت من مجالات لأخرى. فقد يكون هناك مجتمع قوي في مقاومة التدخل الخارجي، لكنه ضعيف في إدارة النزاعات الداخلية. أو يكون المجتمع قوياً في مجال الرقابة على السلطة، وضعيفاً في مجال الرقابة على المعارضة وتقديم النقد لها.

كذلك هناك مساحات يقوى فيها المجتمع قبل الإطاحة بالديكتاتور، لأن بدونها لن يحدث تغيير، مثل مجال بناء نظام مقاوم. وهناك مجالات يقوى فيها المجتمع لاحقاً بعد التخلص من عقبة الديكتاتورية، لأن مجالات النمو فيها لا تتحقق إلا في أجواء الحرية.

لذلك ننظر إلى عملية بناء المجتمع القوي أنها عملية مستمرة قبل وبعد التخلص من الديكتاتورية. فقط يختلف المجال الذي سيتم تقوية المجتمع فيه بحسب الحالة، فبناء القدرات وتحديد المجالات يعتمد على المرحلة التي يمر بها المجتمع. وهذا يعني أن المجتمعات لا تُبنى فقط في أوقالت السلم. فالحرب ضد الديكتاتورية سيكون لها دورها في تقوية المجتمع في بعض المجالات!!

فليس هناك مناسبة أفضل لتأسيس بنية مجتمع مقاوم من صراع مشتعل ضد ديكتاتور. لقد تطور قسم العظام في الطب مع الحروب وكثرة الإصابات، وأصبح خادماً للإنسان في السلم. والكثير من تكنولوجيا الاتصالات نشأت لخدمة الحرب قبل أن تنتقل للمجال المدني. وبالمثل فإن هناك مجالات كثيرة يمكن أن تتطور في إطار المعارك ضد الاستبداد. مجالات يرثها المجتمع بعد انتهاء الحرب التي وضعت لتلك المجالات حجر الأساس. سواء ما يتعلق بالمجالات الإعلامية مثل ميلاد رموز إعلامية أو منصات إعلامية متزنة تحمل مشروعاً يلبي حاجة المجتمع. أو المجالات الفكرية مثل الدراسات النقدية ودراسات تأسيس علوم التغيير. أو دخول مجالات بحثية يجرمها المستبدون لأنها تهدد بقاءهم. أو المجالات التكنولوجية التي تضاعف قدرات المقاومة. أو مجالات إيجاد نظم بديلة لتسيير الحياة يمكن تجربتها في نطاقات محلية صغيرة. أو مجالات مقاومة الأشخاص والمؤسسات الفاسدة، أو مجالات تأسيس الكيانات المقاومة المتخصصة، أو المجالات الاجتماعية مثل إعانة المتضررين، أو مجالات إدارة الاختلاف بين المكونات المختلفة للمجتمع، أو مجالات تتعلق بمشاريع المناعة ضد التدخل الخارجي لدعم الديكتاتوريات، والتي يمكن أن تتطور لاحقاً لمشاريع مقاومة الهيمنة. أو مجالات صناعة الرؤى حول مواجهة تحديات ما بعد الإطاحة بالطاغية. وغيرها من المجالات التي لا حصر لها لمن كان لديه عقل وأوتي ملكة الخيال، ورأى في الحرب ضد الاستبداد فرصة لبناء مجتمع قوي.

وإن اهتم المقاوم بالتركيز على تحقيق أقصى استفادة للمجتمع من خوض معارك التغيير؛ سيكتشف أن كل خطوة يخطوها، وكل مشروع يشيده يمكن أن يشكل إسهاماً مباشراً في تقوية المجتمع في بعض المجالات، وغرس بذور الكثير من المشاريع التي سيخلد أثرها ويمتد تأثيرها لتصبح لاحقاً في رصيد المجتمع، كلبنات أساسية يمكن تطويرها والبناء عليها.

حينها لا يضره أن يخسر معركة ويفوز بأخرى. فالنجاحات الثانوية التي يغرسها في المجتمع تبعث فيه الأمل، أن مجتمع الأمس ليس هو مجتمع اليوم، ومجتمع الغد ليس مجتمع اليوم. فكم ونوع المشاريع الخادمة للفعل المقاوم في المجتمع يتصاعد، وهناك تطور مستمر وجاهزية تتنامى يوماً بعد يوم. والمعارك الجزئية ليست سوى مختبرات لتجربة مدى فاعلية الاستعدادات الجديدة التي أضيفت للمجتمع.

إنها حالة أشبه بمن سار في طريق مظلم موحش متجهاً إلى هدفه، وأثناء مسيرته كان يثبت بعد كل نصف كيلومتر عمود إنارة، ويحفر بئراً ليرتوي من العطش، ويغرس شجرة يستظل بها من الشمس. كان بالأساس يمهد الطريق لنفسه، لكنه أيضاً يمهده للآلاف من بعده مغيراً بنية الطريق ذاته ليتحول إلى “الطريق الممهد”.. كان يسعه أن يحمل كشاف إضاءة بدلاً من تثبيت أعمدة إنارة، أو يضع فوق رأسه خوذة تقيه الشمس بدلاً من عناء غرس الأشجار. لم يكن همه الأوحد أن يصل.. بل أن يمهد طريق الوصول.. لذلك لم تكن فرحته بالوصول تقل عن فرحته بمنظر الطريق الرائع من خلفه!!

وائل عادل

16-10-2014


اترك تعليقك




جميع الحقوق محفوظة لـ أكاديمية التغيير Academy Of Change | تصميم وتطوير: سوا فور، المؤسسة الرائدة في تطوير تطبيقات الويب.