الأربعاء, 1 أبريل 2015
مقالات المجتمع القوي

مسطرة المجتمع القوي

قسم: مقالات المجتمع القوي
أضيف بتاريخ: 1 أبريل 2015

يحتاج مشروع التغيير إلى منظومة أفكار تحدد بوصلته، وترشده إلى معايير الصواب والخطأ في الحركة، منظومة أساسية تساهم في ترجيح المسارات، وتحديد الأولويات، وصياغة الخطاب، وعقد التحالفات.

فمن يحملون مشروع “المجتمع القوي” يأملون أن تكون محصلة سعيهم في مشروع التغيير هي “مجتمع قوي” لديه من النظم الفعالة بداخله ما يمكنه من إدارة شؤونه، ولديه القدرة على دعم كل ما يقوي هذا المجتمع، والتصدي لكل ما من شأنه إضعافه.

لذلك لا يدور تفكير المقاوم فقط حول أثر أنشطته على النظام الفاسد الذي يريد تغييره، ولكن حول أثر أنشطته المستمرة على تربة المجتمع وخصوبتها.

فرغم أن المقاوم يسعى لإيقاف الظلم واستعادة الحقوق وإسدال الستار على عصر الديكتاتورية؛ إلا أن عينه مركزة في كل خطوة يخطوها على تأثير المقاومة على مشروع “بناء مجتمع قوي”، لأنه قد يكتشف أنه شريك للسلطة في معركتها.

فرغم أن الظاهر أنهما يتصارعان، لكنهما أثناء صراعهما يطآن بأقدامهما المجتمع في هذا الصراع. فهو شريك في تجريف تربة المجتمع، وذلك بسبب تمكن السلطة من أسره ذهنياً ليفكر بمنطقها!!

إن مؤشر الصواب والخطأ لدى السلطة هو مصلحة السلطة، أما مؤشر صواب أو خطأ المقاومة التي تحمل مشروع “المجتمع القوي” هو الأثر العام للسلوك المقاوم على المجتمع.. هل يزيد من قدراته أم يضعفه؟! هل يجعله أكثر تماسكاً أم تفتتاً؟! هل ينتصر للقيم العامة التي يراد غرسها في المجتمع أم لقيم حزبية خاصة؟! هل يحرر المجتمع أم يسيطر عليه؟ فمواجهة السلطة يتم عبر مسطرة المجتمع القوي، لأنك قد تواجه السلطة بنفس قيم مشروع السلطة ومنطلقاته، حينها يجب أن يثور التساؤل عن جدوى المشروع المقاوم!!!

لذلك كان المنطلق من رؤية “المجتمع القوي” يصمم مساره بفن وإبداع، فهو يسير على حقل ألغام يمكن أن يدمر كل المجتمع إن لم يتبين مواضع أقدامه. ومن هنا كانت عبقرية تصميم المسار المناسب، الذي يجتهد في الإجابة على كيفية تحويل معارك التغيير إلى إضافة لرصيد المجتمع. وهو ليس مساراً يُستنسخ برداءة من كتاب هنا أو هناك. فلكل مجتمع مواطن قوة وضعف، وملفات قابلة للاشتعال تختلف من مجتمع لآخر.

فمجتمع متعدد الأعراق والطوائف مثل العراق، يختلف عن مجتمع يكاد يكون كله على دين واحد، بل مذهب واحد شافعي مثل الصومال. لذلك فمعرفة البصمة الخاصة لكل مجتمع ضرورة تساهم في أن يكون مشروع التغيير أداة بناء للمجتمع وتحول دون أن يتحول لأداة هدم.

إن مسطرة المجتمع القوي تعينك على الإجابة على تساؤلات كثيرة، حول رسالة مشروع التغيير وأهدافه، ووسائله المشروعة وغير المشروعة وفقاً للمسطرة، وعن جدوى السعي للبناء على المشترك بين مكونات المجتمع  قدر المستطاع دون فرض الرؤية.

ستعينك المسطرة في الترجيح بين القرارات. فكل فعل أو رد فعل تنظر إلى مدى انسجامه مع الهدف العام. وستساعدك حتى في أدق الأشكال التنفيذية، مثل تحديد الهتاف المقبول وغير المقبول.

أما عن مقياس المسطرة فيمكن أن يكون عدة أمور، تلخص خصائص المجتمع القوي في حدودها الدنيا. مثل الحرية، والإبداع، والتماسك، والوعي، وامتلاك أدوات الفعل. وهو ما يعني أن كل خطوة سيقاس مدى دعمها أو خصمها لتلك القيم.

فمثلاً هل الحراك يعترف بحرية اختيار المشاركة في التغيير أو رفضه؟ هل يقر بحرية المشاركة الكلية أو الجزئية؟ هل يدعم الإبداع دون احتكار للرؤية؟ كيف تؤثر الأنشطة على تماسك المجتمع؟ كيف تساهم في تزويد المجتمع بأدوات الفعل والتغيير؟!

وهذه الخصائص ليست هي الوحيدة، فيمكن لمجتمع أن يضيف أن من علامات قوته ألا يقر بفوز من يتغلب بقوة السلاح في صراعاته البينية، وأن الصراع السياسي يجب أن يتم بأساليب مدنية، وأن المجتمع سيخوض معركة نزع سلاح السلطة أو أي طرف من المجال السياسي الداخلي. ومن ثم فهو هنا سيضحي في سبيل نزع السلاح في الصراعات الداخلية، وسيبتكر في الأساليب المدنية لتصبح فعالة قادرة على أن تحل محل عنف السلاح. هنا تحوله المسطرة من مستهلك إلى منتج، فمن بعد ما كان يجرب الوسائل المدنية المتاحة في عقله دون انحياز استراتيجي لها تقره مسطرة هو من صمم درجاتها. الآن هو من يطورها سواء على مستوى النظرية أو التطبيق ليصبح مشيداً لهذا النوع من الصناعات الثقيلة.

كذلك تخبرك مسطرة “المجتمع القوي” أن ليس كل من هو ضد السلطة معك، ليس معيارك هو الاصطفاف مع من هم ضد السلطة كما في مشاريع “إسقاط النظم”. فلن يكون معك من يحاربون فكرة “المجتمع القوي” حتى لو كانوا من خارج السلطة، يريدون إكراه المجتمع على رؤيتهم بمشروع السيطرة على المجتمع وإخضاعه. حينها حتى لو كانت أولوياتك هي التصدي للسلطة، سيكون عليك أن تصمم مساراً لا تكون نتيجته إخضاع المجتمع لفصيل آخر. قد لا تعقد التحالف مع فصيل ضد السلطة وضد المجتمع حتى يكون لديك تصوراً مبدئياً واقعياً عن كيفية التعامل معه لاحقاً.

لقد كتب نزار قباني قصيدته المشهورة “أصبح عندي الآن بندقية”، وليته كتب قبلها قصيدة تمهيدية بعنوان “أصبح عندي الآن مسطرة”. ربما كنا تعلمنا أن المساطر قبل البنادق.. أن نطرح الأسئلة بشكل منطقي.. أن نحدد ماذا نريد أولاً على وجه الدقة، ثم نحدد كيف نصل إلى ما نريد، ثم نحدد أثر اختياراتنا على ما نريد…

وائل عادل
23-10-2014


اترك تعليقك




جميع الحقوق محفوظة لـ أكاديمية التغيير Academy Of Change | تصميم وتطوير: سوا فور، المؤسسة الرائدة في تطوير تطبيقات الويب.