الثلاثاء, 17 مارس 2015
آفات العقل الثوري

الواقعية القاتلة

قسم: آفات العقل الثوري
أضيف بتاريخ: 17 مارس 2015

تمتلئ مواقع التواصل الاجتماعي بأخبار غير سارة.. يدَّعون أنها الواقع. وأتفق أن فيها جزءًا من الواقع.. لكن الطريقة التي تُعرض بها تجعلها خيالية مبالغًا فيها.. فقد رأيت شخصًا ميتًا نحو 100 مرة، لأن كل من أعرفهم يضعون صورته بعد أن توفي وفي أوقات متفاوتة. ما حكمة أن ترى الشخص يموت عندك انت مائة مرة، وأن تجد نفسك في قلب العزاء، بل عشرات السرادقات منصوبة لا تدري في أيهم تدخل تتناول قهوتك؟! ما رأيته أن مواقع التواصل الاجتماعي لا تنقل الواقع.. هي تضاعفه بشكل مخيف.. ثم يقولون زورًا.. أليس هذا الواقع؟ هل نحجبه؟!

صدعتمونا  بواقعيتكم والكلمة الشهيرة “الواقع أسوأ بكثير”.. وهذا كذب فالواقع ليس مضاعفاً بالدرجات التي تنقلها مواقع التواصل الاجتماعي. فالحدث الذي يحدث مرة .. تكرره مواقع التواصل 1000 مرة بعبارة بلهاء “أليس هذا الواقع”؟ في عملية لا تتحملها أي نفس بشرية.. هب أن شخصاً رسب في دراسته.. هذا واقع سيء، لكن أثره قد يمر سريعاًعلى الشخص ذاته ناهيك عمن حوله.. لكن ماذا لو رأى الخبر على أرصفة الشوارع والجدران وأبواب المحلات والحافلات والسيارات، ثم أعلنت عنه المساجد وأخبرت به الكنائس.. لم يكذب أحد.. هو بالفعل واقع.. لكنه واقع يتضاعف بشكل مخيف لا يمكن تحمله!!

ما نراه في الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي ليس الواقع؛ بل جرعات مكثفة قاتلة منه.. فالحدث يتم مرة واحدة ثم نعيد تكراره بالبطيء آلاف المرات. والشخص الواحد يأتيه نفس الخبر بمعدل مائة مرة في الدقيقة مثلاً.. وهو قصف إخباري لا تتحمله أي نفس بشرية بسهولة.. ناهيك عن جريمة نقل الأزمة لمن لا يعيشها بشكل مباشر وبجرعة مضاعفة.

ما أتعسه من قائد!! من يأخذ حمماً من النيران التي يصطلي بها جنوده في المعركة فيرميها على من لم يصطلوا بها ليقول لهم.. انظروا هذا هو الواقع الذي نعيشه؟! فيزيد بذلك عدد المصابين أضعافاً مضاعفة.

في المعارك يتألم الجنود، وتصل الأنباء الصادقة عن الهزيمة إلى كل الناس. لكن ليس على كل الناس أن يعيشوا أوجاع الجنود تفصيلياً. وإلا توقفت الحياة. فوعي الجنود بالهزيمة حتماً يتفاوت عن وعي الناس غير المشاركين.. هي كثافة الوعي إذن المطلوب التفنن فيها وليس تجهيل الناس.. فهناك أخبار يكفي فيها العنوان العريض لما جرى.. وأخرى تتطلب تفصيلاً وإلحاحاً يومياً.

هناك خلط بين العمل البحثي العلمي والإعلام، فالبحث العلمي يبحث عن الحقائق، أما الإعلام  – وخاصة في الأزمات – فليس دوره فقط المعلومة أو المعرفة، بل الحشد والتوجيه. وهو ما ذكره ليزلي مولر بأن دور الإعلام “قيادة التغيير الاجتماعي”. وهو لذلك يتطلب معالجة وفناً، لأن المعرفة هنا دواء يُنتظر منه نتيجة محددة، إما تعاطفاً أو فعلاً. على عكس العمل العلمي الذي هدفه المباشر هو المعرفة واكتشاف قوانين الكون. مهما كانت نتيجتها مقبولة في الوسط السائد أو مرفوضة.. فالعلم لا سلطان عليه.

وعلى عكس الإعلام الذي يبني الأمم ويشكل الوجدان فإن الدعاية المضادة والحرب النفسية التي يشنها إعلام الخصم تهدم ما تقوم أنت ببنائه. فالدعاية المضادة تتسلل إلى جمهورك، فتشوه المعرفة، وتخترق النفس وتهزها، وتعيد الحشد والتوجيه إلى مسارات أخرى.. هي لعبة إذن أبعد من تلك العبارة الساذجة “أليس هذا هو الواقع”؟! لأنك إن لم تحسن فن التعامل مع الواقع إعلامياً أصبحت بوقاً للدعاية تابعاً لخصمك، وأداة للحرب النفسية تدمر بها معسكرك.

نحن نخوض الحرب على أنفسنا بجدارة، تحت دعاوى الواقعية.. بل والعجيب أننا نُعجب بمن يستغرق في وصف مآسي الواقع ونعتبره يعبر عما بداخلنا.. لأننا ببساطة ندمن هذا الواقع.. ونرحب بمن يعطينا جرعات يومية منه.. نتعاطاه رغم معرفة أضراره.. فتكرار الحديث عنه والاستماع له يشكل وسطاً اجتماعياً مرضياً لنا، حيث تُردَّد فيه نفس العبارات وتُستهلك نفس المعاني والكلمات. أما إن أتى من يريد أن يجعلنا نستفيق؟! أن نفكر في دورنا؟! أن نتحدث عن واجبنا أكثر من حديثنا عما يحل بنا؟! فهو غير مرغوب فيه.. وهو غير واقعي.

نعم .. إن قال لك أحد المدمنين على الواقع وسماعه “أنت غير واقعي”.. قل له نعم ” أنا غير واقعك”.. ولا أتجرع هذه السموم ..

إن الإعلاميين المحترمين ومن لديهم متابعين كثر على مواقع التواصل الاجتماعي، وأصحاب المواقع الصحفية والإعلامية عليهم أن ينتبهوا، ويتقنوا فن استخدام السلاح الذي بين أيديهم .. الكلمة والصورة.. وإلا فهم يفتحون النيران على مشاهديهم ومتابعيهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. ينقلون مَن في بيوتهم آمنين إلى خط النار.. ويقولون لهم في عملية تعذيب وحشية .. انظروا كم هو الواقع سيء؟! يظنون بذلك أنهم يقومون بعملية توعية، وما دروا أن منهجية التوعية هذه تقود إلى تصفيات نفسية، واغتيال لأي أمل حتى في التفكير وليس في الفعل.

إن الخصم دوره أن يشل تفكير من هم في قبضته، وهذا مفهوم.. لكن غير المفهوم أن يمارس الإعلاميون دوراً آخر في شل تفكير من ليسوا في قبضة الخصم، فيحيطونهم بمشاهد القبضة تحاصرهم من كل مكان، وكأنهم بدورهم في قبضة خصومهم.. ألم يعلموا أن من هم خارج الأزمة بشكل مباشر عليهم أن يعرفوا بها لا أن يعيشوها؟!

أيها الإعلاميون ويا شباب الإنترنت ارحمونا من نقل الواقع المضاعف بهيستريا.. قولوا خيراً أو اصمتوا .. فكروا قبل أن تنشروا.. فليس هناك جريمة أبشع من قتل النفس ببطء.. أن يكون الإنسان حياً عاجزاً.. واعلموا أن الواقع معروف في عناوينه العامة. وتكفينا الجرعات المخففة منه للوعي به وحسن قراءته والتحفيز والتفكير والعمل.. ولسنا بحاجة إلى جرعاتكم القاتلة.

وائل عادل
14-11-2014


اترك تعليقك




جميع الحقوق محفوظة لـ أكاديمية التغيير Academy Of Change | تصميم وتطوير: سوا فور، المؤسسة الرائدة في تطوير تطبيقات الويب.