قسم: ثورة الأفكار
أضيف بتاريخ: 21 يناير 2015
إن التطور الذي مرت به البشرية عبر مسارها الحضاري منذ بدء الخليقة وحتى يومنا هذا ما هو في حقيقته إلا سلسلة متصلة من الثورات، وبالرغم من كثرة التعريفات التي تحاول تحديد ما هي الثورة إلا أنه يمكن إجمالها في كون الثورات هي تلك التحولات الجذرية والسريعة للعلاقات والأوضاع الاجتماعية والسياسية والتي ربما تتم بإجراء عنيف بدرجة ما (1). ويشير هذا التعريف الإجمالي ضمنياً إلى ثلاثة ملامح أساسية للثورات، وهي: • جذرية التحولات. • سرعتها. • العنف المصاحب لها. فالتحولات الجذرية تعني التغييرات العميقة والشاملة في البنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية للمجتمع، وهي التحولات التي كانت تمثل طفرات وقفزات هائلة للمجتمعات – ربما للأمام أو للخلف. ومن أمثلتها التحولات التي طرأت على الجزيرة العربية عقب الإسلام، أو على أوروبا عقب عصر النهضة، أو على الصين وروسيا عقب الثورات الشيوعية أو على تركيا عقب الثورة الأتاتوركية أو على مصر عقب الثورة العسكرية، وغيرها من الأمثلة الكثير. أما السرعة فيقصد بها أن الثورات عموماً تختصر الزمان، فتلك التحولات الجذرية التي تطرأ على المجتمعات بطريقة غير طبيعية (الثورة) تحتاج غالباً إلى مئات السنين لتحدث بالمسار التراكمي الطبيعي، فهي تبدو كما لو أن البشرية تختصر طريقها نحو التطور عبر تلك الثورات. وأما الملمح الثالث للثورات فهو العنف، وهذا العنف (2) – على اختلاف درجات قسوته ومدى استخدامه – الذي واكب الكثير من التحولات أو الثورات في تاريخ البشرية ليس بالضرورة أن يكون نتاج دعاة الثورة؛ وإنما كان في كثير من الحالات يمثل رد الفعل على هذه الدعوة “للثورة على القديم” و يمكن التعبير عن العنف هنا ب”مقاومة التغيير“. فعلى سبيل المثال تعرضت ثورة الحضارة الإسلامية على الواقع الحضاري المتردي في جزيرة العرب لمقاومة عنيفة، وتلك الحالة من العنف التي مرت بها الحضارة الإسلامية في مخاضها الأول لم تكن جزءاً من دعوة التحول والثورة على القديم – وهي الدعوة التي اتخذت شكل الوحي السماوي – وإنما كانت وليد مقاومة التغيير. والعنف الذي واكب ثورة الحضارة الأوروبية الحديثة في عصر نهضتها لم يكن جزءاً مما اكتشفه جاليليو أو كوبرنيكس، ولم يكن جزءاً من كتابات رواد النهضة الأوروبية – وهي التي اتخذت شكل التفكير العقلي – وإنما كان رد فعل على تلك الدعوات الجريئة للثورة على القديم. والثورة الصناعية الأوروبية واكبتها معارضة ومقاومة من قبل الإقطاعيين، بل وربما يمكن تفسير حالة العنف التي تمر بها البشرية الآن في هذا الإطار باعتبارها حلقة من حلقات هذه السلسة، ألا وهي الثورة على الحضارة الغربية المهيمنة والأوضاع القائمة والرغبة في إيجاد عالم جديد، وهو العنف الذي يمثل طرفه الأول والأقوى تلك الحضارة القائمة والراغبة في الحفاظ على العالم بخارطة توازناته وسياساته الحالية.
الثورة تحدث مرتين وهنا ينبغي الإشارة إلى أن تلك الثورات التي مرت – ولا تزال تمر – بها البشرية لم تحدث مرة واحدة؛ وإنما حدثت مرتين: المرة الأولى في العقل في عالم الأفكار والمرة الثانية في عالم الواقع حين اتخذت شكل الممارسة التنفيذية؛ فيمكن القول بأن تلك الملامح الثلاثة (جذرية التحولات وسرعتها والعنف المصاحب لها) وقعت أيضاً مرتين، مرة أولى في عالم الأفكار – وهي ما يمكن اصطلاحه بثورة العقول، ومرة أخرى في عالم الواقع.
وبالرغم من أن الثورات السياسية والاجتماعية وجدت الكثير من الاهتمام، فتناولها الكثيرون بالشرح والتحليل، وأسهب علماء السياسة والاجتماع والتاريخ في شرح أسبابها ومعجلاتها وكوابحها وشروط عملها، وهي الكتابات التي يمكن الزعم بأنها كتابات ممنهجة إلى حد بعيد؛ إلا أن ثورات العقول لم تحظى بمثل هذا الاهتمام، وتم تناولها على استحياء. وليس المقصود هنا أنه لم يتم تناول الأفكار الكبرى للحضارة الغربية ممثلة في كبار مفكريها وفلاسفتها وعلمائها أو أفكار الحضارة الإسلامية ممثلة في كبار الفقهاء والمفكرين والفلاسفة المسلمين أو مفكري الحضارات الكونفشيوسية أو اليابانية أو الهندية أو السلافية الأرثوذكسية أو الأمريكية اللاتينية أو ربما حتى الإفريقية؛ وإنما المقصود أنه لم يتم التعامل مع أسباب حدوث ثورات العقول، مع معجلاتها وكوابحها وشروط عملها وكيفية إنتاجها. فالثائر السياسي يستطيع الرجوع لبعض الدراسات المتعلقة بالثورة والاستراتيجية والتخطيط والإعلام ليرسم إطاراً كاملاً لثورة اجتماعية أو سياسية؛ بينما الراغب في إحداث ثورة فكرية ربما لا يعرف من أين يبدأ وإلى أين ينتهي وكيف يتعامل مع العنف والمقاومة الفكرية والعقلية، بل وربما ينجح في إطلاق ثورة عقلية ولا يدري أنه أحدث تلك الثورة، أو لا يستطيع أن يضع منهجاً عملياً محدداً لإحداث ثورة العقول. وهكذا فإن البشرية بعمومها والتي مرت بالكثير من الثورات الاجتماعية والسياسية والفكرية لهي في أشد الحاجة الآن إلى أن تعيد دراسة وتحليل وتعريف ثورة العقول والأفكار. فتطور البشرية كان نتاج الصراع بين العقول والأفكار، تلك الأفكار التي تملك قوة محركة عالية، لذلك لا نبالغ حين نقول بأن تطورالبشرية هو نتاج ثورات العقول.
أحمد عبد الحكيم
22/11/2007
—————————————————————-
(1) يعرف جيف غودوين الثورة بأنها “أي حالة يتم فيها الإطاحة بالدولة أو النظام السياسي – ومن ثم تحدث عملية التحول – وذلك عبر حركة جماهيرية شعبية وبطريقة غير منتظمة وفوق دستورية وعنيفة”، كما يعرفها بأنها “ليست فقط عبارة عن حركة الجماهير وتغير النظام السياسي؛ ولكنها تعني أيضاً التغير السريع والجذري الاجتماعي والاقتصادي والثقافي مع أو عقب الكفاح الشعبي من أجل السلطة”، بينما يعرفها جاك جولدستون بأنها “محاولة لتحويل المؤسسات السياسية ومبررات الشرعية السياسية في المجتمع يرافقه تعبئة جماهيرية رسمية وغير رسمية وأنشطة غير مؤسساتية لتقوسض السلطة والشرعية”. Jeff Goodwin, No Other Way Out: States and Revolutionary Movements, 1945-1991, Cambridge University Press, 2001, p.5 Jack Goldstone, “Theories of Revolutions: The Third Generation, World Politics 32, 1980:425-53 (2) العنف هو السلوك العدواني بهدف إيذاء الآخرين مادياً أو نفسياً. Elizabeth Kandel Englander, Understanding Violence, Lawrence Erlbaum Associates, Mahwah NJ. Publication, 1997, p. 1.