الثلاثاء, 20 يناير 2015
حواديت اللاعنف

“اضرب يا “أبو كف

قسم: حواديت اللاعنف
أضيف بتاريخ: 20 يناير 2015

اضرب يا “أبو كف”

نشأ في بيت كريم.. رباه أهله على أن يكون إنساناً محترماً، ولا يرد السيئة بسيئة مثلها، وأن يعامل الناس بخلق حسن، وألا يطلق للغضب العنان، ويعمل عقله، ولا يترك حقه.. لكن هذه النظريات المثالية كانت تصطدم بالمأساة اليومية التي يتعرض لها… مأساته مع “أبو كف”.. زميله في الصف الرابع الابتدائي، الذي أُطلق عليه ذلك اللقب نظراً لضخامة كفيه، وكان يهابه بسبب عدوانيته، حيث كان ينهال عليه في الفصل ضرباً.

كان الطفل يكره المدرسة بسبب “أبو كف”، حتى أنه كان يطارده في المنام، فإن جاء الصباح شعر بالبؤس، كأنما يساق إلى الموت. يجر قدم الخيبة وهو في طريقه إلى المدرسة. لا يشغله سوى سؤال واحد، وهو بالتأكيد ليس سؤال أستاذه في الحساب أو اللغة العربية، كان السؤال المحير من خارج المنهج.. كيف سيتجنب ضربات “أبو كف”؟!

كم كانت سعادته غامرة حين يغيب “أبو كف”. فيشعر أنه حر طليق، يقضي اليوم مع رفاقه يلعب ويمرح. وربما تمنى أن تطول ساعات هذا اليوم، ليته يستطيع إيقاف الصباح عن القدوم!!

جرب أن يتقدم بشكوى للمدير، لكن إدارة المدرسة لا تعبأ، فهناك عشرات القصص المشابهة التي تحدث يومياً، وما يهم المدرسة استقرار النظام الدراسي، ولا مجال للالتفات لهذه التفاهات!!

أخذ يفكر.. هل سأستمر في هذا الكابوس؟! ألا يوجد مخرج؟! أهلي يخدعونني.. عندما كانوا صغاراً حتماً كانوا يواجهون الإساءة بالإساءة.. تباً لهذه التعليمات التي ستقتلني… إنهم لا يشعرون بي تماماً!! أو ربما يكرهونني ويريدون التخلص مني!!

كان له أستاذ مقرب، يحبه حباً شديداً، فحكى له القصة… قال له الأستاذ: كلام أهلك صحيح.. ويمكن بعقولنا أن ننتصر.. ثم همس في أذنه لمدة خمس دقائق، فتهللت أسارير الطفل، وقبَّل أستاذه في فرح كبير.

خرج من عند الأستاذ، وطلب من أعز أصدقائه أن يستعدا للغد، فستكون أمام صاحبه مهمة أساسية، وهي إعداد هاتفه المحمول لتصوير ما يجري. كانت الخطة أن يصور مشهد الضرب، ثم يعرضه في اليوم التالي أمام باب المدرسة ليراه المدرسون جميعاً والطلاب وأولياء الأمور الذين يوصلون أبناءهم.

كانت أسعد ليلة في حياته.. لم يتمكن من النوم.. ولكن في هذه المرة ليس خوفاً من أن يأتي النهار، بل رغبة في أن يأتي سريعاً… كان هذا هو اليوم الأول الذي يشعر فيه بقوته، والعجيب، أنه لأول مرة في حياته يتمنى أن يُضرب. تغير مفهوم الضرب عنده، فأصبح هو الحل بعد أن كان إهانة متكررة.

تنفس الصبح، وتألقت الشمس في عين الطفل، ذهب سعيداً إلى المدرسة يكاد يطير يبغي الوصول سريعاً. قابل صاحبه وتأكد أنه أعد الكاميرا… مر الوقت وهما يبحثان عن “أبو كف”.. لكنه لم يأت… انزعج الطفل، ألن يأتي؟! ألن يضربني فأصوره؟! لقد أخبر أستاذه أن يراقب ما يجري من بعيد، ليكون شاهداً كذلك… يا للإحراج!!

طلب من أحد زملائه أن يتصل هاتفياً ليتأكد أن “أبو كف” في الطريق.. فجاءتهم البشرى.. “أبو كف” قادم الآن!!

تساءل الطفل في نفسه.. كيف كان الضرب يؤرقه من قبل وهو اليوم يتمناه، بل يستعجله ويريد أن يطمئن أنه لن يتأخر عليه. كيف كان قلبه يدق خوفاً من أن يقع في يد “أبو كف” ويفرط في ضربه، وكيف يدق اليوم خوفاً من أن تفشل الخطة!! هل يمكن أن يكون الضرب بالأمس مؤلماً واليوم ممتعاً؟!

لاح “أبو كف” في الأفق. بدأ الطفل يستعد ليكون في مرماه بعد أن كان يتجنبه وينزوي إذا رآه.. وتجهز لنصب الطعم بأن أخرج الطعام من حقيبته ليبدأ الأكل، ومن قبل كان يخفي الطعام عنه.. فهو يعلم أن “أبو كف” سينتزع منه الطعام، رفض كالعادة أن يعطيه طعامه بالإكراه، فأمسكه “أبو كف” وانهال بكفه عليه، وعلى عكس كل مرة، كان الطفل سعيداً بالضرب، لسان حاله “اضرب كمان”.. وكلما أفرط “أبو كف” في الوحشية، أفرط هو في الاستسلام، لم يوجه له حتى كلمة يسبه بها، كانت سعادة الطفل غامرة، خاصة كلما لمح عدسة التصوير.. وأكثر ما كان يحيره.. كيف تحول الضرب إلى مصدر سعادة هكذا؟! أين الشعور بالإهانة؟!

لم يضربه “أبو كف” هذه المرة على وجهه، ما هذا؟! يبدو أنه نسي؟! كاد أن يقول له .. اضرب بضمير يا “أبو كف”.. لا تحرجني.. ثم حاول أن يضع وجهه متعمداً بين راحة كفيه… اضرب يا “أبو كف” حتى تظهر الصورة أروع ما تكون.. فهو يعلم أن المشهد الآن مصور.. وأن “أبو كف” نهايته وشيكة!! بل وإدارة المدرسة كلها تنتظرها أحداث ساخنة بعد أن يتم عرض المشهد، ولا يعلم مدى تطور هذه الأحداث إلا الله!!

نجح الطفل نجاحاً باهراً وانتصر انتصاراً رائعاً. لن أتحدث عن ما قام به أولياء الأمور من ردة فعل، ولا تضامن المدرسين، ولا فصل “أبو كف” من المدرسة لمدة شهر، ولا تكريم الطالب وهو ما لم يكن ليحدث لو كان رد بالعنف، فكلاهما سيكون مجرماً حتى مع اعتبار أن البادي أظلم، أو في أفضل الحالات لم يكن ليعبأ به أحد فقد أخذ حقه بيده. لقد كان من أهم الانتصارات أنه انتصر للقيم التي علمها له أهله، وأبى أن يتحول بدوره إلى “أبو كف” آخر.

حين يُتوقع تعاطف أولياء الأمور وإمكانية الضغط على الإدارة لا تكون الأزمة في كيفية دفع عنف المعتدِي، حين يمكن استثمار هذا العنف، بحيث ينتج أثراً عكسياً يحقق أهدافك أنت، فيتمنى المعتدِي أن ليته ما فعل!! وهنا تكمن العبقرية، فليست المشكلة في الضرب، وإنما في مفعوله وأثره، كيف ستحول ولاء مفعول الضرب، فبدلاً من أن يكون ولاؤه للعصا الباطشة يصبح ولاؤه للجسد المعتدَى عليه. فأبو كف كان يصوب ضرباته لنفسه دون أن يشعر.. هذا ما نجح فيه الطفل..  حين وُضعت الخطة.. وأصبح الضرب جزءاً من الخطة!!

 

وائل عادل

6/5/2013


اترك تعليقك




جميع الحقوق محفوظة لـ أكاديمية التغيير Academy Of Change | تصميم وتطوير: سوا فور، المؤسسة الرائدة في تطوير تطبيقات الويب.