فلسفة أخرى للثورة يعرضها جيش المهرجين، المميز بطلته المرحة، والذي يظهر البون الشاسع بين هيئته وهيئة رجل القمع المختبيء خلف ملابسه الحديدية السوداء. أصبح لجيش المهرجين وجوداً كبيراً في التظاهرات العالمية سواء من ينتمون إلى فكره وفلسفته، أو من يقلدون وسائله التي من شأنها أن تضفي جواًً من البهجة على التظاهرات والأنشطة المختلفة للمقاومة.
أما عن جيش المهرجين، فهو جيش من المهرجين المتخصصين، يفهمون فلسفة عمل المهرج بشكل جيد، وهو فن له جذور وفلسفة ممتدة، يعرف ممارسوه كيف يدخلون السرور إلى القلوب، لكنهم في ذات الوقت على الصعيد السياسي، يرقصون في المساحة الفاصلة بين الفوضى والنظام.
CIRCA هو اسم الجيش السري للمهرجين المتمردين، ,وهي مختصر The Clandestine Insurgent Rebel Clown Army ، له وجود في بريطانيا وبلجيكا والدانمارك، وألمانيا والبرازيل وهولاندا. وتعود هذه التسمية للاعتبارات التالية:
فهو جيش لأنه يخوض حرباً دائمة على الكوكب، حرب المال ضد الحياة، الربح ضد الكرامة، والتقدم ضد المستقبل، يصفون أنفسهم بالجيش لأن المعارك تتطلب التزاماً وانضباطاً وتضامناً. يقولون "نحن جيش لأننا غاضبون وحيثما سقطت القنابل يجب أن ننجح في صناعة الضحك، والضحك يتطلب صدى".
وهي مجموعات سرية من حيث أنها لا تحب الشهرة، كل فرد يمكن أن يكون أي واحد في الشارع، يقولون أنه بدون الأسماء أو الوجوه أو الأنوف الحقيقية، تتبين لنا أفكارنا وأحلامنا ورغباتنا، وهي الأهم من سيرنا الذاتية. هم يرفضون رقابة المجتمع عليهم، وتحكمهم فيهم، وتسجيل كل خطوة يقومون بها. ومن خلال إخفاء هوياتهم تكتسب أفعالهم قوة، لأن أحداً لا يتساءل من هو الشخص الذي خلف الحدث، وإنما ما هو الحدث؟! ومع طلاء الوجوه تكتسب المقاومة وجهاً ضحوكاً مرحاً، فتتجدد قوتها مجدداً.
وهم متمردون لأنهم يرون أن الأفكار يمكن تجاهلها، لكنها لا تٌقمَع، وتمرد الخيال لا يمكن مقاومته، يعلمون أنهم كلما سقطوا نهضوا مجداً مرة تلو أخرى، فالتاريخ لن يضيع جهودهم، وسيسجلها، كما يدركون أن التاريخ يمر بمنحنيات ولا يسير في خط مستقيم. ومفتاح التمرد هو عبقرية الارتجال لا كمال التخطيط.
هم متمردون لأنهم يحبون الحياة والسعادة أكثر من الثورة، لأنه لا توجد ثورة كاملة، لكن المتمردين يبقون للأبد، هتافهم لن نتخلى أبداً عن عصيان الذين يسيئون استخدام السلطة ويراكمون نفوذهم، ولدى المتمردين القدرة على تحويل كل شيئ، طريقة الحياة، الحب، الأكل، الضحك، اللعب، التعلم، التجارة، الإنصات، التفكير. الخ
هم مهرجون لأنهم يتساءلون بعمق.. ما البديل لأن تعيش مهرجاً في هذا العالم الغبي؟ لأن في داخل كل فرد مهرج خارج على القانون يحاول الفرار، فلا شيء يقوض شرعية السلطة الغاشمة مثل جعلها مادة للسخرية. ويسعون إلى أن يعود التهريج من جديد كخطر على من يمارسون الظلم، يعود التهريج إلى كل شارع. ليستعيد دوره في نقد وإحياء المجتمع. يفضحون الأكاذيب، ويبينون الحقائق.
هم وسطيون، بين العقل والجنون، الطاعة والعصيان، ليسوا هنا أو هناك، ولكنهم يتواجدون في أقوى منطقة في كل مكان، هم في المساحة الواقعة بين الفوضى والنظام. هم ليسوا كسائر الجيوش التي تقاتل أو تتراجع، هم لا يستريحون البتة، لأنهم يعرفون أن الراحة هي اللغة التي تتمكن السلطة من التعامل معها. المهرجون لا يعرفون الثنائية، سلاحهم الإرباك، دائماً لديهم خيار ثالث.
التدريب
ويخضع المهرجون الجدد للتدريب، من خلال تمارين متنوعة، بداية من اكتشاف كل فرد للمهرج الذي بداخله، وهو أمر يتطلب عملاً شاقاً لإخراج ذلك المهرج المختبيء خلف المظهر الجاد، فليست العبرة بأن تلقي نكتة، أو تطلق لعب نارية في الهواء، إنما أن تعيش بكل كيانك في مدينة المهرج. وأن تتدرب أن تقوم بالنشاط المناسب في الوقت المناسب بالطريقة المناسبة التي تجعل الناس تتفاعل معك. تماماً مثل فن إلقاء النكت.
كما يتدرب الجيش على تكتيكات العصيان المدني، وتنظيم المظاهرات، كيف يسيرون في مظاهرات منظمة، وكيف يتفرقون فجأة، كما يتعلمون كيف يتمتعون بالعفوية والمرح الذي يميز جميع أعمالهم.
سمات أساسية
لجيش المهرجين مجموعة من السمات من أبرزها:
خوض الحرب بالحب: فالمهرجون دائماً في حالة طواريء وهم يكافحون الظلم، ما يجعل من الصعب أن يعيشوا حياتهم دائماً في اكتئاب، هم يستمتعون بما يقومون به، ويعلمون أن مهمتهم هي استخراج دولتهم من ركام الطواريء.
الثورة الممتعة: واحدة من أخطر ما تمر به الثورات أن تصبح مملة، لذلك فهم يبحثون دائماً عن التجديد والظهور كل مرة بوجه مختلف. بل ويعتبرون الضحك مؤشراً لانتصاراتهم، يرون أن أغلب الأعمال المسرحية لا تكتسب معنى إلا بتلك الأفواج الهائلة من البشر التي تضحك، وبدون هذا الضحك لا تفهم الدراما ككل، ولا تظهر بشاعة الظلم، ولا نستشعر المشهد المؤثر، المهرجون يصنعون مشاهد الضحك ليبرزوا المشاهد الأخرى القاسية في الحياة.
المهرج سلاحه الضحك، وقد يضحك على شخص (الخصم) أو يضحك مع شخص (تضامناً معه). هي قوة الضحك المفرط التي تخلق فوضى التفكير لدى الخصم، فيرتعد من السخرية التي تناله.
طرح الأسئلة: فالمهرجون يطرحون أسئلتهم على الجمهور، من خلال أنشطتهم المتنوعة، يعيدون طرح السؤال كل مرة بشكل مختلف، من الذي من حقه أن يأمر؟ ومن من حقه أن يطيع أو يحتج؟
الانضباط:تنطبق على المهرجين نفس مواصفات جنود الجيش، فهم ليسوا فقط مجرد مجموعات تلطخ وجهها بالألوان، أو تضع فوق روؤسها شعراً مستعاراً، أو تغير شكلها بأنوف ضخمة، هم مهرجون مدربون تدريباً عالياً، لديهم انضباط قوي، يعبرون أنفسهم ميليشا من الحمقى، وكتيبة من المهرجين.
الارتجال: فالمهرج يعتمد على عاطفته ومشاعره، ويتمرن على التفاعل معهما بشكل كبير، وتعطيل هيمنة الجزء المنطقي في العقل، النصيحة الشهيرة هنا.. "تعلم أن تكون غبياً".. أن تحسن إدارة العلاقة بين شق العقل الأيسر (المنطق) والأيمن (العاطفة). هذا ما يمنح المهرج أدوات الصدق والانفتاح وتفاعل الجمهور معه.
المهرج يتفاعل مع الكون كله، كل الكون بالنسبة له مكونات مترابطة يجمعها نظام، رجل، امرأة، عجوز، طفل، شجرة، سيارة، وهو يحاول صناعة اللوحة التي تجمع مكونات مختلفة بشكل مبهر.
مزج التهريج باللاعنف: فهم يعتمدون على فنون المهرج التراثية، ويدمجونها بوسائل اللاعنف، ووسائل التدخل المباشر، فيواجهون القمع ويوقفون الآليات. كما يسعون إلى تطوير منهجية تجمع بين الروح والنشاط، فهناك صلة وثيقة بين الشارع والروح، فكلاهما ميدان الصراع. فهم يسعون إلى أن يحدث النشاط تحولاً في الفرد نفسه، كما يرون أن تجديد أشكال النضال في الشارع تحدث تغييراً في الحركات وتكون مصدر إلهام لها.
الاعتماد على الألعاب: فاللعب لا يمكن رفضه، لكن الناس قد ترفض الأفكار، وقد ترفض النقاش الجاد، لكنها لا يسعها أن ترفض اللعب. ومن خلال اللعب يمكن التعبير عن كل المفاهيم، العدالة، الحرية، الخ.
استثمار كل رد فعل: فالمهرج لا يخاف الفشل، أو يرهب القمع، لأنه سيحوله إلى مشهد مضحك مثير للسخرية، وربما تكون هذه هي فقرة الساحر، التي سيبدأ فيها العرض المبهر للجماهير، فأثناء التفتيش في الشارع يكتشف الشرطي أن جيوب من يتهمهم بالإرهاب مليئة بألعاب صغيرة لحيوانات وسيارت، وبط مطاطي، والتي تلقى جميهاً في الشارع أمام أعين المارة، عشرات من الضباط يبحثون عن جيش من المهرجين في مشهد غريب. وعند اعتقالهم قد يتعثرون في الأرض، أو يلقون بأنفسهم في السيارة بشكل رياضي. وعادة ما تطلب الشرطة من المهرج أن يخرج من شخصية المهرج لتتمكن من الحديث معه.
وقد يقومون بتقليد الحركات والوقفات التي تقوم بها الشرطة في شكل ساخر، ويحملون أحياناً ألعاب تشبه وسائل الشرطة مثل الدروع ومسدسات المياه.
المهرجون هم جيش.. لكنه جيش سلاحه الضحك.. وهي قوة جديدة يمكن أن تولد طاقة تغيير مهولة، مصدر متجدد لطاقة تغيير لا ينضب، مثل طاقة الشمس التي يمكن أن تولد الكهرباء دون أن تنضب.