الخميس, 20 يناير 2011
نحو فهم أفضل للشعوب

تونس تزلزل فكرة “الوعي الجماهيري”

قسم: نحو فهم أفضل للشعوب
أضيف بتاريخ: 20 يناير 2011

نسمع بعض النخب وقادة في المعارضة السياسية في عالمنا العربي يتهمون شعوبهم بالسلبية والانحطاط والتخلف وضعف الوعي معللين بذلك عجزهم عن تحريك وتفعيل الجماهير، وعن صناعة التغيير المنشود. ثم عندما أضاءت أحداث تونس الأخيرة بريق الأمل أمام الشعوب العربية التي ترزح تحت وطأة الاستبداد، فوجئنا بهم يرددون مرةً أخرى بأن هذه الصحوة الجماهيرية التي شهدناها في تونس لا يمكن تكرارها أو التأسي بها في باقي دول المنطقة، معللين ذلك بأن الشعب التونسي أكثر وعياً من الشعوب العربية الأخرى، ويؤيدون زعمهم بانخفاض نسبة الأمية وجودة التعليم الرسمي وغير الرسمي الذي كان مسموحاً به. ومن ثم خرجوا علينا بنفس النتيجة الأولى السابقة لأحداث تونس ليقولوا بأن انخفاض سقف الوعي الجماهيري هو أحد الأسباب الكبرى التي تحول بين باقي الشعوب العربية وبين تحقيق أحلامها التغييرية.

وتتطلب فكرة "الوعي الجماهيري" وقفة، إذ يرى فيها بعض القادة والنخب المعارِضة عائقاً لهم، ويرددون ذلك فتفقد الشعوب الثقة في نفسها وفيما تمتلكه من قوة كاسحة. لذا كان لابد لنا من تلك الوقفة لنعرف حقيقتها ومدى تأثيرها على عمليات التحول والتغيير.

يجب أن نميز بين مستوى التعليم ومستوى الوعي، فالتعليم يخلق نوعاً من الوعي.. ولكن أي وعي؟!

فعندما نتحدث عن الوعي الجماهيري العام الذي تشترك فيه عموم الجماهير بمختلف مستوياتها وطبقاتها – وهي تلك التي خرجت إلى الشارع أو أشعلت فتيل الثورة – فإن ما نتحدث عنه في الواقع لا يعدو ذلك الوعي الذي ينشأ لدى الأفراد نتاج احتكاكهم وتعرضهم لما توفره لهم الدولة من معلومات ومعارف من خلال وسائل التأثير التربوية والتعليمية والإعلامية الرسمية وغير الرسمية التي يسمح بها النظام. ولا يمكن لأحد أن يزعم بأن عمليات التوعية والتثقيف والتعليم والسياسات التعليمية التي كان يتبناها النظام السابق كانت تقترب بشكل أو بآخر من ثقافة المقاومة والتغيير والعصيان.

إن نوعية الوعي – الثقافي والتعليمي الذي وفرهما النظام لعموم الجماهير – في تونس ليست هي النوعية التي تؤدي إلى مثل هذا الحراك الجماهيري الشامل. ومن ثم فلا يمكن الزعم بأن عموم الشعب التونسي يمتلك وعياً وعلماً وفناً تغييرياً عالياً ساعده على التحرك.

كما أن الوعي الناشيء عن التعليم المتخصص الجامعي أو الحرفي أو المدرسي لا ينشأ عنه حراك تغييري وانتفاضة جماهيرية كتلك التي شهدناها في شوارع تونس؛ وإنما ينتج عنه كوادر متخصصة قادرة على المساهمة في بناء الدولة وتطوير المجتمع عقب عملية التغيير، أو فلنقل ينتج عنه – في أحسن الأحوال – قدرة على استثمار هذا الحراك التغييري وتوجيهه الوجهة الصحيحة عقب حدوثه. فهو لا ينشيء حراكاً في ذاته، ولكنه قد يسهم في استثمار الحراك، وقد يشارك في تطويره أو البناء عليه.

أما فن صناعة التغيير السياسي فهو ليس فناً وعلماً شائعاً في المنطقة العربية حتى نقول بأن السواد الأعظم من الجماهير في تونس كانت تمتلك وعياً سياسياً تغييرياً قبل أن تقوم بانتفاضتها هذه. بل إن هذا الفن يفتقده الكثير من القيادات والنخب السياسية سواء في تونس أو في غيرها من بلدان العالم العربي، خاصة في مناخ ديكتاتوري لم يبق من الممارسة السياسية إلا بعض الديكورات. وإلا فبم نعلل عجز القادة والنخب السياسية المعارضة في تونس طوال العقود الماضية عن إحداث التغيير؟!

قولنا هذا لا ينفي أن هناك مجموعات وأفراد يمتلكون وعياً سياسياً عالياً نتج عن الاحتكاك بأدبيات أو بحركات المعارضة سواءً في الداخل أو الخارج، ولكن في نفس الوقت لا يمكن الزعم بتوفر كتلة حرجة كمية ونوعية من هؤلاء النفر في الداخل التونسي كانت وراء إشعال فتيل الثورة.

وأخيراً فإن ثورة الشوارع أو ثورة الجياع والفقراء تنشأ من رحم الحاجة، ومنصة إطلاقها هي ممارسات النظام القائم، وهذا بالفعل هو ما شهدته تونس خلال الفترة الماضية. فملهم هذه الثورة "محمد البوعزيزي" لم يشعل فتيلها بوعيه وثقافته؛ وإنما بفقره وحاجته. ولم يدربه أو يثقفه مستشارون سياسيون؛ وإنما جهاز القمع والتنكيل. فهذا النوع من الحراك الجماهيري بعيد كل البعد عن طبيعة ونوعية الوعي التعليمي أو الثقافي الذي كان يوفره النظام، وقريب كل القرب من طبيعة الحاجة والعوز.

إن درس تونس لا يقول بأن الشعب الذي لم يتلق نفس القسط من التعليم التونسي لا يثور، إنه يقول بأن الجماهير لا تتحرك من تلقاء نفسها إلا تحت وطأة الحاجة. إنه يقول أن النظام التعليمي الرسمي في الأنظمة الاستبدادية ليس هو ما يخلق الوعي الذي يحدث التغيير، بل النظام السياسي بطغيانه واستهانته بغضبة الشعب هو الذي يخلق الوعي التغييري.

أحمد عادل عبد الحكيم

20/1/2011


اترك تعليقك




جميع الحقوق محفوظة لـ أكاديمية التغيير Academy Of Change | تصميم وتطوير: سوا فور، المؤسسة الرائدة في تطوير تطبيقات الويب.