You are hereابدأ من الصفر

ابدأ من الصفر


By admin - Posted on 12 مارس 2008

نسخة للطباعةSend to friend

صفر القمة

م/ وائل عادل

12/3/2008

نهره ضابط المرور: هذه ليست مشكلتي... السيارة عليها مخالفات بقيمة 5000 دولار. أجابه الشاب في حيرة: لكنني اشتريتها منذ بضعة أيام، ولم أستكمل دفع أقساطها بعد، كانت سيارة جدي، ولم أرتكب بها مخالفة واحدة، ربما ارتكب هذه المخالفات قبل أن يموت، إنه.... قاطعه الضابط: لا شأن لي بقصتك... أمامي سيارة ارتكبت مخالفات... فمن المسئول؟؟ من أحاسب الآن؟؟ لا شأن لي بجدك الذي مات... ولن أقاضيه في قبره... أنت الآن تستقل هذه السيارة، وعليك أن تدفع فواتير المخالفات.

عاد الشاب بذاكرته إلى الوراء متذكراً جده، لم يدر هل يدعو له أم عليه، لكنه ثاب إلى رشده وعلم أنه وحده المسئول، حين رفض نصيحة عِز!! فلكم أخبره صديقه عِز أن يبتعد عن السيارات المستعملة، فالأفضل أن يشتري سيارة جديدة "Zero"، حتى وإن كلفته مبلغاً أكبر، لأنه وحده الذي سيدون تاريخها، ابتداء من تاريخ قطع الغيار إلى تاريخ المخالفات، إلى تاريخ الكيلومترات المقطوعة.  خرج الرجل من عند الضابط مستقلاً سيارته الحمراء الجديدة القديمة، فهي جديدة بالنسبة له، لكنها طاعنة في السن.. فجأة رأى شباباً يهرولون نحوه، يحملون في أيديهم هراوات، أما وجوههم فنسجت خطوط القسوة ملامحها، إذا بهم يهتفون، ها هو صاحب السيارة الحمراء رقم 1950، ها هو قاتل صديقكم!! حاول أن يقنعهم أنه لم يكن هو سائقها، كان من الصعب أن يفهموا أن سائقها ليس سائقها، أما هراواتهم... فقد وجدت جسداً طرياً تطحنه!! أحياناً يلتحق الشباب ببُنى مؤسسات أو مشاريع قديمة، ثم يفاجَئون في نهاية العام أن عليهم دفع فواتير أشياء لم يفعلوها، أوتصعقهم أعداد الخصوم الذين يتربصون بهم، ليس بالضرورة بسبب طبيعة المشروع؛ بل أحياناً بسبب طبيعة ممارسات من سبقهم. قد يظنون أن بإمكانهم إقناع خصومهم أنهم مختلفون عمن سبقهم، وأن المخالفات التاريخية  ليسوا صناعها، لكن ترى هل سيقنعونهم بإسقاط الفواتير السابقة؟! ربما يتخوف البعض من البدايات الجديدة محتجاً بالمقولة السائدة "هل نبدأ من الصفر؟" وأقول لِمَ لا؟؟!! فلنبدأ من صفر الأطروحات، فأطروحات السابقين ربما كانت مناسبة لعصرهم لكنها لا تناسبنا اليوم، ولسنا في حاجة لدخول معركة الاعتذار والتبرؤ منها. ولنبدأ من صفر الفواتير المطلوب دفعها، فأي منطق يقول بدفع فواتير كهرباء لم نوقدها؟! ومياهاً لم نشربها؟! ولنبدأ من صفر العلاقات، فليس بالضرورة أن حلفاء آبائنا هم حلفاؤنا، أو خصومهم هم خصومنا، فكل مشروع له خصوم، ومشاريعنا ستولد خصومها، ولسنا في حاجة إلى نصنع بأيدينا تحالفاً يضم خصوم الآباء وخصومنا، فلنؤسس علاقاتنا على أسس جديدة.

والبداية من الصفر لا تعني بالضرورة هجر كل أطروحات وعلاقات السابقين، لكنها تعني حرية الاختيار، اختيار الأفكار والحلفاء والخصوم، في ضوء فهم جديد للواقع ومتطلباته.

ولا ينبغي أن نعيش أسرى وهم "البدء من الصفر"، فهذا محال عملياً، لأننا سنبدأ من الخبرة التاريخية لأطروحات وممارسات السابقين، مستفيدين من نجاحاتهم وإخفاقاتهم، إننا سنبدأ من الصفر من حيث تأسيس بنائنا من جديد، الذي ربما يختلف شكلاً ونوعاً عما أسسه السابقون، لكننا في نفس الوقت نبدأ من القمة التي وصلت إليها مشاريع من سبقونا، أي إننا نبدأ من "صفر القمة". من آخر نقطة في قمة التجربة البشرية، وأول خطوة في تحركنا نحن.  فالاستمرار في مشروع تراكمت فواتيره وعداواته- رغم وجود فوائد له- لا يعني التغلب على خرافة "البداية من الصفر"، ففي الوقت الذي تعتب فيه على مشاريع جديدة تنطلق من الصفر، ستجد نفسك في مشروع ضخم أنهى رحلته وفي طريقه إلى الصفر. أليس هذا المشروع الذي تخشى هجره قد بدأ أيضاً من الصفر يوماً ما، وكانت هذه الجدة هي سر حيويته وجذب الناس إليه؟! إن البداية من "صفر القمة" تعني البداية بدون تاريخ مؤلم، مستحضراً في وعيك تاريخ من سبقك، دون أن يكون في ملف سيارتك مخالفات إشارات لم تكسرها، أو زيادة في سرعة لم تخترقها، أو مداعبة أحد المشاة لتطرحه قتيلاً بمقدمة سيارة لم تركبها، فلست مضطراً لتحمل تبعات ممارسات غيرك، لأنك ستخلق علاقاتك الجديدة مع العالم المحيط بك، وستكون مسئولاً فقط عن طريقة قيادتك، عن فكرك وطرحك وممارستك. والبداية من "صفر القمة" تعني تسطير تجربة جديدة قد تزيد درجة قوة المجتمع، وتسجيل قصة نجاح تضاف إلى ذاكرته التاريخية، ومحاولة أخرى لاكتشاف أداة جديدة لتطويره، فالمجتمع في ظل أدواته السائدة معروف مصيره، فماذا لو أضيفت له تلك الأداة الجديدة التي ربما ترتقي به؟!

أحياناً يكون البدء من القديم ممكناً، لكن عندما يصيب العطل محرك السيارة إضافة إلى فواتير المخالفات والأقساط المرعبة؛ حينها تصبح السيارة الجديدة "Zero" أكثر فاعلية.*

إن المجتمعات الحية تحسن توليد المشاريع، وتحتفي بكل مولود جديد يبدأ حبوه من الصفر، مقدمة خبرتها في المشي بصدر رحب، فخورة بهذه الوفرة في رصيد تجاربها، فأصحاب المشاريع يدركون مدى استفادتهم من الجهد الذي يبذله غيرهم، شاكرين لهم توفير عبء المعاناة في البحث عن طرق جديدة لا يلبث كل المجتمع أن يستعملها. أما النابهون فيبنون على هذه الطرق الجديدة أفكاراً أخرى يهدونها للمجتمع، معلنين أن مشاريعهم ليست إلا أدوات خادمة له.

وهناك مجتمعات ابتليت بأناس يتحدون مستقبلهم، يجيدون عرقلة أنفسهم بنصب الفخاخ للمشاريع المجاورة، فهم أشبه بأولاد يلعبون الكرة في الشارع، فإذا ما أوشك الهدف أن يصيب مرماهم ركلوا  الأحجار التي تحدد المرمى، وإذا سمعوا عن ولادة مشروع جديد دارت أعينهم من الخوف، ثم وجهوا نداءاتهم إلى فروعهم في كل مكان... "شَنْكِلُووه"!!  --------------

* ذكرنا في موضوع "ماذا نفعل بالسيارة؟" في كتاب زلزال العقول (2) أننا نكتشف أحياناً عدم حاجتنا ابتداء إلى سيارة، فهي ليست بالضرورة الوسيلة الصالحة للذهاب إلى كل مكان، أحياناً نحتاج إلى وسائل أخرى تقلنا، فلا ينبغي أن يعمينا التعلق بوسيلة بعينها عن البحث عن وسيلة أعلى كفاءة.

Trackback URL for this post:

http://aoc.fm/site/trackback/141

تعليقي علي هذا الموضوع ..وان كان متاخرا ..
قابلت ذات يوم احد العرب الذين يحضرون رساله الدكتوراه في امريكا ..بشكل اشرافي .فهو يقيم بالسعوديه. وعندما تحدثنا ذات يوم عن ادبيات النجاح وعن اولئك الذين يدونون قصص نجاحاتهم وتجاربهم والتي تمتلئ بكتبهم مكتبه مثل مكتبه جرير . وجدته يذكر لي..بانه الان -وهذا منذ ثلاث سنوات- هناك حوالي 500 الف مشروع كتاب ينزلون في العام القادم . في امريكا .!!
والسؤال : هل هذا التنوع الكبير جدا ..دعوه للتشتت ؟؟
كل انسان من هؤلاء يجتمع حول اراءه وكتبه اشخاص واناس ..فهل هذا عيب ؟؟
هل من الافضل ان نجعل خلطه النجاح والفشل مرتبطه بنموذج او اثنين او حتي عشره ؟ ونسحب الناس كلهم تحت هذه النماذج ؟
هل من المفيد ان يعمل حزب او حزبين او جمعيه او جمعيتهم في نشاط ما ...ام من الافضل ان يكون اكثر من عشرين جمعيه تعمل في نفس المجال ..فهذا يوفر ارضيه خصبه لتنافس الافكار ..ولا يمنع من عمل نوع من الاتحاد في بعض المشاريع الضخمه ..بدل من ان يكون هناك جمعيه واحده تعمل كل النشاطات الصغيره والكبيره ..وعلي الجميع ان ينضم اليها لكي يعمل !!!
الشعب الامريكي يصنع حضاره ..واظن ان تجربه التنوع الفكري هام لنمو الافكار .وان كان من الصفر .
شكرا

تحليلك يعري عن حجم شيخوخة العديد من الهياكل السياسية التي ورثناها عن الأجيال السابقة .لك الحق ففي المغرب مثلا لازال شيوخ الحركة الوطنية +من 50 سنة مما يسمى بالاستقلال يتصارعون ويصفون حسابات الماضي البعيد ،مستعملين شبيبتهم اداة في هكذا صراعات يحتل الاموات داخلها مكانة هامة. وتبقى قضايا الشباب رهينة رهانات لا تعنيهم لا من بعيد ولا من قريب. سبق أن كتبت عن هذا الموضوع وسميته أسباب القصور في مؤسساتنا
تحياتي لك ذ عادل ،طريقتك تنتمي للسهل الممتنع
وربنا يوفقك

رائع كالعادة يا بشمهندس
ولكن اذا جاء كل مشروع من صفر القمة فستظل الاجيال جيلا بعد جيل منشغلة ببناء المشاريع والمؤسسات الجديدة عن العمل في مشاريعهم
فتصور حضرتك الجيل الحالي وهو يبني مؤسسته ومشروعه سيظل في هذا البناء سواء التنظيمي او المادي طيلة حياته حتي اذا اكتمل البناء لم يجد ما يسعفه من وقت لكي يعمل في تحقيق الاهداف المرجوة من البناء
وعندما ياتي الجيل الجديد سيبني مشروعه الجديد وهكذا وسنظل طيلة اعمارنا نبني مؤسسات ومشاريع دون جدوي
ولكن علينا ان ندرس كيف يمكن دفع الفواتير القديمة في المؤسسات الموروثة باقل الخسائر الممكنة وهذا لن يستغرق كثيرا
وذلك لانه لم يكن يوما من الايام تاريخ اي مؤسسة او مشروع وماضيه الحافل بالاخطاء معرقلا لحاضره بالصورة التي صورها المقال
ومنتظرين المزيد من الزلازل والتوابع ونرجو ان تتحول في لحظة ما الي براكين تاتي علي الانظمة الحاكمة بالوبال والهزيمة

. اعمل على ان يحبك الناس عندما تغادر منصبك.كما يحبوك عندما تتسلمه ان الذي يبدا بداية صحيحة ينهيها صحيحة بمقدار ماكانت في بدايتها شيئا من الصعوبة والبداية من الصفر تكون بداية مخطط لها مستقبلا وعرض جميع السلبيات والايجابيات امامه لكي يستفاد من اخطاؤه واخطاء غيره كما حدث مع السائق لانه لم يتعرف على الاخطاء التي ارتكبها جده في حياته بحيث اسرع الى اقتناء سيارته دون ان يخطط لذلك مسبقا مما اوقعه باخطاء لم يرتكبها سابقا سوى انه ركب سيارة جده ولايام قليلة مما غدى به الى جعله ضحية
فحسب وجهة نظري ان الانطلاقة عندما تبدا من الصفر ليس لمرحلة معينة ولا لعمر محدد بل يسبقها التخطيط الجيد

الذي يرث الخير أحيانا كثير يرث الشر .. فالمثال المذكور: أن الشخص ممكن أن يرث السيارة وهذا خير ولكنه يرث معها كذلك غرامات مالية تتمثل في قيمة المخالفات المرورية التي ارتكبها الذي كان يستقلها قبل الوارث سواء أكان الأب أو الجد..

- ترسيخ مبدأ أن نبدا من حيث انتهى الآخرون.
- وتعزيز الحكمة القائلة من لا يشكر الناس لا يشكر الله..
- إسناد الأمر إلى اهله .. وإعطاء كل فرد حقه المادي والمعنوي..
- الاستفادة من تجارب وأخطاء السابقين .. بحيث لا نقع فيما وقعوا فيه.. لكي لا نخسر المال والوقت والجهد بل فائدة..

إن البداية من الصفر مستحيلة فنحن نتاج الظروف , ومن سبقونا , ولكن التطور والتجديد والارتقاء هو المطلوب .
وبالنسبة للانطلاق من لصفر القمة أو الاتطلاق من الأفضل , فإن تحديد ذلك هو المشكلة , لأنه ليس بالأمر السهل تحديد هذه القمة , وكل منا يمكن أن يختار ما يناسبه ويتفق مع مصالحه , عندما يريد تحديد منطلقاته .
في رأي أن المنهج العلماني المعتمد على العلوم الدقيقة التي تملك درجة دقة موضوعية عالية ,هو الذي يسمح لنا بتحديد صفر القمة (الذي يجب النطلاق منه ) بدقة عالية .

ابحث

 

قسم الدراسات

مقالات وداراسات الأكاديمية

المكتبة

الاطلاع للمسجلين فقط "الاشتراك مجاني"