You are hereالمُنْشَقُّون في الاستاد

المُنْشَقُّون في الاستاد


By admin - Posted on 17 اكتوبر 2007

نسخة للطباعةSend to friend

انشقوا... ثم علموا الناس كيف ينشقون عليكم

 م/ وائل عادل

17/10/2007

اكتظ الاستاد بالجمهور... لم يعد أمامنا سوى نصف ساعة على موعد المباراة... لازلنا بالخارج لا يمكننا الدخول... التذاكر في أيدينا والأبواب مغلقة... الجموع المنتظرة تنظر إلى تذاكرها نظرة بله وحسرة... لا أحد يحرك ساكناً... غافلت ملل الانتظار بنظرات متأملة فيمن حولي... فها هي امرأة حامل لا أدري ما الذي جاء بها هنا... وها هو شاب يحمل فوق رأسه سلة ممتلئة بالكتاكيت ربما أراد جذب الكاميرات بها...صرخ أحدهم فجأة... لم لا تفتحوا الباب... لم يجبه رجل الأمن الطيب الذي لا حيلة له... رأيت صاحب الصرخة يشق الصفوف ويتسلق البوابة ويقفز، ففتح الباب من الداخل، حينها انطلقت الأفواج إلى داخل الاستاد مهللة، توعده ضابط الأمن وكاد يفتك به، لولا أن الجموع أحاطته كفارس فاتح فَتَوَّجُوه بحمايتهم.

شدني المنظر... وظل شاخصاً أمامي... الباب المفتوح عنوة... الأم الحامل... الكتاكيت.... بَدَأَتْ الفكرة تتشكل... تقترب مني وأتطلع إليها... هالتني روعتها وأسرني سحرها، ربما تشكل المستقبل وتسارع وتيرة التقدم إن احتضناها وقبلنا شفاهها... إنها كلمة "الانشقاق". فلولا الانشقاق لما فُتح الباب، وحركات الانشقاق عن سلوك الكثرة لطالما ألهمت هذه المجاميع الحائرة، والأنبياء لم يكونوا في عرف أقوامهم إلا منشقين، وكثير من الزعماء التاريخين بدوا نشازاً عن معزوفة قومهم، والمعارضة ليست في قاموس الديكتاتوريات إلا مجموعة من المنشقين. ف"الانشقاق" لا يختلف كثيراً عن "التجمع"، من حيث طريقة النظر إليه، فلا يفضل أحدهما الآخر، فهو مصطلح، لا يطلق على مدلوله صواب أو خطأ، لأنه أحد أدوات التطور أو التخلف، فالتجمع ليس محموداً لذاته، فتجمع مجموعة من الأغبياء يدمر المجتمعات، وتجمع مجموعة من النابهين يحييها. كذلك "الانشقاق ليس مداناً لذاته، بل قد يكون نافعاً أحياناً وضاراً في أحيان أخرى. إن "الانشقاق" ليس مصطلحاً يجب التخلص منه، بل ربما يجب إعادة النظر فيه، بعدما ارتبط في عقول الكثيرين بأنه عمل أهل الغدر واللؤم. لذلك نحتاج إلى الاقتراب منه وليس الهروب، إلى التعرف عليه وليس زيادة الجهل به. فهو أمر لا يجب تجنبه على الدوام، بل يكون المخرج أحياناً في تبنيه. وقد أخذ "الانشقاق" معنى سلبياً لأنه يعبر عن نظرة قائد المؤسسة وليس العامل فيها، ففي مؤسسة الأسرة قد يطرد الأب ابنه، لكنه يتألم إن تركه ابنه، لأنه انشق عن مؤسسة الأسرة، فنال من قيادتها، وفي الشركات قد لا يبالي المدير بطرد مجموعة من العاملين، لكنه يتأذى إن تركوه هم طواعية، لأن ذلك عادة ما يُفسر باعتباره خلل ما، والحزب السياسي قد يَفْصل بعض أعضائه، لكنه يستميت للحيلولة دون خروج مجموعة نابهة منه حفاظاً على سمعته. إذن فرافض الانشقاق بالأساس هو الطرف الذي خال نفسه مهيمناً على مقاليد الأمور، فيزرع ثقافة عبثية الانشقاقات، وحرمتها الأدبية والأخلاقية، ليضمن استقرار مؤسسته، لكنه في الحقيقة لم يدر أنه يمتهن مستقبل المجتمعات، حيث تعد الانشقاقات أحد أدوات تقدمها. فلقد تأمل هيجل في فلسفة تطور الأفكار، فرأى الفكرة كائناً به قصور، لابد وأن يتولد من داخلها من يشير إلى ذلك القصور، هذه الأفكار التي تولدت من القصور ستصارع الفكرة القديمة، وينتج من الصراع فكرة جديدة ستحمل بدورها جنين القصور، وكلما كبر الجنين ضمرت حيوية الفكرة، فولدت فكرة ثالثة وهكذا، وبذلك تتطور البشرية، وتتكاثر الاختراعات، فمن ثنايا عيوب فكرة الهاتف المحمول من الجيل الأول انطلقت الأفكار التي تطعن فيه بعد أن ذبل بريق الانبهار، فتولدت الأجيال التي تليها، وبمثل هذا السلوك تتطور المجتمعات. إن الانشقاق ليس مُجَرَّماً في جميع الحالات من كل الأطراف، لم يلم أحد من الجماهير صاحب الصرخة الذي انشق عن المجموع ليفتح الباب، لم يلمه إلا حارس البوابة الذي اعتبر الانشقاق اختراقاً لهيبته، فهو أداة تضر أحياناً وتنفع أحياناً، كالسكين الذي قد يشق جسد إنسان بغير ذنب، أو يشق جسد لحم طيب يرتجى التلذذ بطعمه. إننا نمارسه ونراه يومياً ولا نشعر بالحرج، فهذه المرأة الحامل لا تحتضن إلا مشروع انشقاق قادم، تتجلى إرهاصاته بضربات في الرحم، وحركة مريبة، يليها إعلان الانشقاق، وهو انشقاق مؤلم مبهج، مؤلم "للجسم الأساسي" وهو الأم، ومبهج لها لأنه انشقاق مطلوب، فليس التوحد العضوي دائماً قوة، فكلما زاد الحمل كلما حانت لحظة الانفصال كحدث طبيعي. تخيلت الأم تتمسك بابنها في بطنها، فرحة بضخامة جسمها، فعادت بي الذكريات للكتاكيت فوق رأس ذلك المشجع، فلولا تمرد الكتكوت على البيضة لغاب عن الدنيا ككائن مستقل بذاته، ولما صار مشروع دجاجة تخدم أكلة لحوم الدجاج، ولولا شقه للبيضة في الوقت المناسب لاندمج فيها وذابت شخصيته، وانعدم نفعه، وفسدت البيضة واستعصت على الأكل. وهناك فرق بين "الانشقاق" و"التفتت"، لأننا نعني بحركات الانشقاق الاجتماعية والعلمية تلك الثورة على جوانب القصور وإبداع الجديد، أما التفتت فهو هدر الطاقات وتقسيم الكل، ليس وفق استراتيجية للتطور، وإنما لإضعاف هذا الكل، وسحق مصطلح المجموع. إننا يجب أن نميز بين استراتيجية الانشقاق ووبال التفتت. والتفتت يحدث في الانشقاق، لكنه لا يشكل الحدث الرئيسي، فالحدث الرئيسي هو تأسيس شركة صناعة المحمول الجديدة الأكثر تطوراً، ويأتي التفتت كحدث عرضي طبيعي فيتوزع العاملون عادة بين الشركتين. والحدث الرئيسي هو خروج الكتكوت من البيضة، ويأتي تفتت البيضة كحدث طبيعي لا يستثير حفيظة الدجاجة، والحدث الرئيسي هو انشقاق الوليد عن الأم، ويأتي التفتت العضوي كخطوة طبيعية. والمنشقون دائماً قلة، كلما حققوا نجاحاً التف الناس حولهم واستظلوا بهم، وكلما أخفقوا كلما أحجم المبدعون عن محاولة تجاوز المجموع، وإن نجح المنشقون في اختراعهم أو فكرهم أو عملهم الجديد، قد يصيبهم بعد فترة غرور الكثرة وهالة الأتباع، فيجمدون عن التطوير ويغلقون البوابات، وربما استخدموا نفس الحارس الطيب، حينها يتكرر المشهد كحدث طبيعي، فالكتكوت سينقر قشرة البيضة، والوليد حتماً سينذر أمه بضربات خفيفة، والكتكوت سيكسر البيضة ولا يبالي، والوليد لن يتورع عن إيلامها ولن يبالي بصراخها، مدركاً عظم لحظة المخاض، مستحضراً مشهد الجماهير المتطلعة، ليقفز من فوق باب الاندماج، متحرراً بشخصيته الجديدة. إن "الانشقاق" أداة من أدوات تطور المجتمعات، ولولاه لما تقدمت الأمم، فبعض الحضارات الكبرى مدت حركة الانشقاقات في أعمارها الافتراضية من خلال قيام دول الأطراف بالدور الريادي، وإلا لمات المشروع أو قصر عمره بسبب ضعف القلب أو توقفه،* والاختراعات العظمى تولدت بفعل الثورة الفكرية والشركات المنشقة المغامرة. لذلك وجب الاقتراب من فهم فلسفة "الانشقاق" ودوره كأداة في إحداث التقدم، وأن يصبح أداة مألوفة مثلها مثل أداة "التجمع"، فالتجمع مطلوب والانشقاق مطلوب، وأحياناً يكون ال"تجمع" خيانة للضمير وللمجتمع وللإنسانية، حين يجب على المرء أن يضيف لمجتمعه الجديد، وأن يشق طريق الجمود محاولاً فتح الباب، حينها يكون  "الانشقاق" عملاً خالداً، فأكرم بالعلماء المنشقين القائلين بكروية الأرض في زمن كان ينكر الدوائر ولا يرى إلا أجساماً مسطحة، وتحية إجلال لعظماء التاريخ الذين أسسوا حضارتهم بملحمة الانشقاق على الجموع المستكينة، إن المستقبل لم يصنعه إلا المغامرون المنشقون.

 لذلك من المهم تعليم الجيل أن بداية ظهورنا للحياة كان حركة انشقاق عن الرحم بامتياز، فلا يتهيب من مصطلح "الانشقاق"، لأنه قد يكون سبيل التطور، ثم تدريبه على طريقة إدارته. ولا بأس من إعادة تسمية المصطلح باسم جديد إن كانت الذاكرة التاريخية للمصطلح مؤلمة للبعض، وليكن "نقرة الكتكوت". ربما تتشكل بعض ملامح المستقبل من الانشقاق البناء، لكن على المنشقين أن يعلموا أتباعهم كيف ينشقون بدورهم عليهم، وألا يتحنطوا معهم داخل البيضة، فمن كان بالأمس فارس الانشقاق، سيصبح غداً سبب انشقاق الآخرين عليه، وليس منع ذلك من الحكمة في شيء، بل أشبه بالعبث، فخدمة المجتمعات أولى من خدمة ذواتنا، وحيويتها أولى من عبادتها الأصنام، حتى ولو كنا نحن الصنم..

-----------------------------------

*كانت دول الأطراف المنشقة عن المركز أحياناً تمثل امتداد الحضارات، حتى إنْ ضعف قلب الدولة، فحضارة الأمويين  في الأندلس لم تكن إلا حركة انشقاق عن القلب العباسي، فمدت من عمر ورصيد الحضارة.

Trackback URL for this post:

http://aoc.fm/site/trackback/129

يا اخى من قال ان ما تدعيه هى من المسلمات ارجوك اقرأ سورة الانشقاق وفيها ستجد معنى اذا السماء انشقت

اعجبني اسلوب الكتابة لأفصي حد
والتركيز في عرض الموضوع
بصراحة قلمك متميز للغاية
ولكن اختلف معك في الافكار
وسأعود بعد قراءة انتاجك كله
سعدت بالزيارة
والي لقاء قريب
اخي الكريم

حبيب قلبي بعد قليل المنشقون عنك سيركلون ما تقوله

كلام جميل ولكن لابد ان يرسخ في عقولنا الانتخذ من الانشقاق عادة او دودما كل يوم ننشق علي انفسنا واليوم التالي انشقاق جديد وهكذا فلابد ان يكون الانشقاق بعد تفكير عميق ورؤية واضحة بان مصلحة المجتمعات في هذا الانشقاق و ألا ننشق فقط من اجل الانشقاق
فالانشقاق ليس كله خير كما ان ليس كله شر

مقالات جد معبرة عميقة بشكل مبسط تحياتي لكاتبها النبيه جدا
ومزيدا من التحليل الهادف لأمة انصهرت مع التخلف

فكرتك جميلة يرجى مراسلتى على هذا الايميل

فكرتك رائعة جدا وكبيرة جدا (الحكمة ضالة المؤمن اينما وجدها فهو احق بها

أحسنت ي بشمهندس

أصبح يدهشني حقا كثرة المسلمات التي يسلم بها العرب
وبدون أي حسابات أو بحث , يصدر الحكم .. هذا غير مقبول
سواء كان غير مقبول شرعا أو عقلا , ولكن هو غير مقبول

أحييك على إنشقاقك عن تلك المجموعة

:)

كلمة الانشقاق تستدعى اول ما تستدعيه الى الذهن والذاكرة انها كلمة مش كويسة وتعنى انك بتنفصل عن الجزء الحلو وبالتالى يبقى انت أكيد الجزء الوحش(الجزء المنشق)ولكن الواحد لما بينظر فى حياته الطبيعية يجد انه فى تعاملاته اليومية بينفذ حالات الانشقاق دى بكل سهولة
فمثلا تجده لما يجى يتعامل مع
البطيخة تلاقيها بجيب السكينة ويروح غرزها فى نص البطيخة وشققها نصين او الى قطع صغيرة عشان يعرف ياكلها
وكذلك البرتقان والشمام والقرع والعيش...الخ
والواحد قد يضطر الى انه يكون عنيف ...يعنى قلبه قاسى شوية وهو بيشق الحاجات دى..... ودا كله عشان يعرف ياكلها
والا الواحد هايموت من الجوع

تنشأ في خلايا النحل ملكة جديدة فتنقسم الخلية بين الملكتين فيكون انقسامها محموداً إن كانت قويه يمكنها أن تكون خليتين وبذلك تتكاثر الخلايا ، وتتدمر الخليتان إن كانت الخلية الأولى لا تحتمل أن تنقسم فيكون من الحكمة قتل الملكة الجديدة حتى لا تتدمر الخلية والعبرة بخبرة وحكمة من يرعى الخلية

احسنت اخي وائل ..
ان لفت الانتباه الي المسلمات والتي ما هي مسلمات لمن صميم التطوير والتجديد..ان بعض المصطلحات اصبحت عندنا بمثابه مسلمات لا ننقاشها ولا ندرك الاهداف من ورائها ..ومصطلح الانشقاق ..مثل مصطلح الفتنه ..ومصطلح الطرد ..ومثل مصطلحات غيره بمجرد سماعها تجد القلوب تدق والعيون تحدق ..وكان امرا جللا خطيرا قد حدث .
ان علماء الرياضة حتي الان يبحثون في فرضيات اقليدس وهل يمكن ان نختصرها والتي اقام عليها علم الرياضيات الذي نتعامل معه ..بل ان فرضيه من الفرضيات التي وضعها عالم الرياضة ريمان حتي الان هناك جائزة قدرها مليون دولار لمن يثبت صحتها .
اذا كان هناك ثوابت فهذا صحيح ..ولكن ليس دائما كل شيء نجعله من الثوابت فهذا يحتاج الي برهان .ونحن لدينا مقولات عدة نضعها في خانه الثوابت للاسف ما انزل الله بها من سلطان .وكانها مسلمات كلاميه . لا نتكلم فيها وعند النظر فيها تجد ان هذه الكلمات او الاقوال لا هي مسلمات ولا هي ذات معني ثابت في كل الظروف والاحايين.
شكرا لك مرة اخري وتحيه لكل من نقر قشره البيضه ليعيد النضاره والحيويه لحركه الحياه من حولة ..في ثوبها الجديد .

أخي المهندس عادل
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أظن أن ثقافتنا العربية لا زالت تعاني من فوبيا الانشقاقات والذاكرة الجمعية تحمل صورا شنيعة من الانشقاقات والثورات التي دمرت البلدان وزادات الاستبداد طغيانا وفسادا في الأرض

والحركات الإسلامية استخدمت إضافة على ما ذكر من أزمة ثقافية استخدام السوط الديني لتبرير اليقاء ضمن مجموعة أو تنظيم ما فينقل التنظيم أو الجماعة الحركية من إحدى الوسائل الممكنة للعمل إلى الوس
يلة الوحيدة للعمل(أيدلوجيا إقصائية)يعتبر "الانشقاق" منها "انشقاق" ديني!!!!!! وليس مجرد مؤسسة مدنية أوسياسية قابلة للصواب والخطأ والفساد والصحة
بارك الله فيك نحتاج إلى شجاعة كبيرة للإقرار بالإنشقاق كحق شرعي للكيانات والأفراد

معلومة بسيطة: العجم تخلصوا من هذه العقدة حتى في العالم الإسلامي نموذج :العدالة والتنمية تركيا

كلام كبيير يا باشمهندس

ابحث

 

قسم الدراسات

مقالات وداراسات الأكاديمية

المكتبة

الاطلاع للمسجلين فقط "الاشتراك مجاني"