You are hereالوضع معقد جداَ

الوضع معقد جداَ


By admin - Posted on 28 يوليو 2007

نسخة للطباعةSend to friend

 حدد العقدة... وأبدع الحل

م/ وائل عادل

28/7/2007

بدأ صديقي يشرح لي الصعوبات التي تواجهه وهو يتعلم قيادة السيارات في مدرسة متخصصة، كان عليه أن ينظر إلى المرآة الأمامية ليرى القادمين من الخلف، ولابد أن يعير نظراته بين الحين والآخر للمرايا الجانبية، وأن يحسن تقدير المسافة بين مقدمة السيارة والسيارة التي تتقدمها، وليت الأمر يتوقف عند هذا الحد، فهناك ناقل السرعات الذي طالما أعجزه وحار في حفظ طريقة استخدامه، ناهيك عن التحكم في عجلة القيادة، أما استخدام الإشارات فأمر غالباً ما ينساه، وكم غافله مؤشر الحرارة والوقود ليكتشف نفسه قاب قوسين أو أدنى من توقف السيارة عن العمل، أما القاصمة فكانت أن يبتلى بشخص ثرثار يجلس جواره. ضاق صديقي ذرعاً بعد ثلاثة أيام من التعلم، صرخ في معلمه: "مستحيل أن تتركوني أقوم بكل هذا بمفردي... الوضع معقد جداً".  أخبرته أن يتريث، ولا يتسرع بقرار ترك مدرسة تعليم قيادة السيارات، وأن ينظر إلى من حوله، فهاهن بنات ونساء يقدن بشكل عفوي، وها هم شباب دون الثامنة عشرة يحسنون القيادة. فبالتدريب سيكتسب تلقائية القيادة، ويحسن التعامل مع هذا الوضع المعقد.  إن القيادة في ظل الأوضاع المعقدة من أهم سمات القادة، فندب الواقع، واتهامه بالتعقيد أمر ينزع صفة القيادة عن مدعيها، وهل أشرقت إطلالة القادة على الوجود إلا لأنهم يمتلكون رؤية معالجة هذا الواقع المعقد؟! أليست المواقف المعقدة هي التي تستدعي وجود القادة؟؟! وإلا فما جدوى ادعائهم التميز على من حولهم إن كانوا يصرخون مثل عامة الناس "الوضع معقد جداً".  في المؤسسات المتطورة عندما يتقدم شخص ما للقيادة فيها، فإنه يتقدم برؤية، ويستعرض برنامجه الذي سيميزه وسيتمكن به من اختراق تعقيدات الواقع وتفكيكها. فهو يطرح نفسه كقائد لأنه يمتلك رؤية تعبر بالمؤسسة من نفق يحتويها وتنطلق إلى فضاء رحب، أما من يجلسون على مقعد القيادة بالخطأ فيهولهم الموقف ويفاجأون أن قيادة السيارة – في البدايات- لا تحقق المتعة المتوهمة، حيث يستمع السائق إلى الموسيقى الناعمة، متنقلاً بمرونة من حارة إلى أخرى، ومن سرعة إلى سرعة، بل هناك الكثير من الأمور المعقدة المتشابكة التي يمارسها قائد السيارة قبل أن يصل إلى مرحلة القيادة بتلقائية، والاستمتاع بأداء ما يبدو معقداً.  إن القعود عن الفعل، أو تبرير القفز في المكان بحجة تعقيد الواقع أشبه بعتاب طالب اللغة الإنجليزية لمعلمه الذي لم يكتب كلمة واحدة بالعربية في الامتحان، ولطالب الكيمياء الذي يطعن في العلم المليء بالمعادلات، ولطالب الرياضيات الذي يندهش من لغة الأرقام. وللممثل المذهول والمتسائل أنى له بالتمثيل والجمهور يتتبع كل خطوة له على خشبة المسرح، ولمصارع الثيران الذي نظر إلى الثور الهائج، والجمهور المحتشد، وإلى ملاءته الحمراء ثم صرخ... "الوضع معقد جداً". فهل كان سيحتشد الجمهور إلا ليشهد كيف سيصرع البطل مصطلح التعقيد؟! ترى لو كان الثور أليفاً، يأكل من يد صاحبنا، هل سيستحق لقب المصارع البطل؟؟!!وهل كانت الآلاف ستنفق إلا من أجل نظرة إليه وهو يسفك دم التعقيد ويطأه بقدمه في ثبات؟! "الوضع معقد جداً" ... يوم تخرج من فم القائد فإنها تعني رفع الراية البيضاء في وسط المعركة.

 والاعتراف بتعقيد الواقع أمر محمود إن كان المراد منه فهم الواقع للتعاطي معه بوعي، لأنه يُبعد الإنسان عن السذاجة في تفسير ما يدور حوله، وهو كذلك جدير بجعل المرء يفكر بمستوى ومنهجية  قادرة على قهر هذا التعقيد، وأن يتدرب على تفكيك المعادلات الصعبة، كالطالب الذكي المتمرس الذي يعشق تحدي المسائل الرياضية المعقدة، فيصيح مختالاً.. "أنا لها".. أما المسائل البسيطة فيحيلها إلى البسطاء.  والتعاطي مع الواقع المعقد يتطلب نمطاً متطوراً من التفكير، وهذا لا يعني أن الحل سيكون بالضرورة معقداً، بل قد يكون في قمة البساطة، فخبراء تفكيك الواقع يحددون أولاً ما يسمى بعقدة الموقف، أو عقدة الصراع، وتعني ما هي العقدة التي إذا تم حلها ستُحل بقية العُقد؟ فها هم رواد الفضاء يواجههم تحدي الكتابة في الفضاء، فانعدام الجاذبية أعجز الحبر عن الانسياب من القلم، وبدأت وكالة الفضاء "NASA" دراساتها حول كيفية التعامل مع الوضع المعقد بمحاولة تطوير قلم يكتب في الفضاء، وتكلفت الدراسات ما يزيد على المليون دولار، إلا أن الروس فككوا تعقيد الموقف بحل بسيط، وهو استخدام القلم الرصاص، لأنهم أحسنوا تحديد عقدة الموقف.. فليست العقدة في كيفية إجبار القلم الحبر أن يكتب رغم أنف قانون الجاذبية، لكن العقدة كانت كيف نكتب في الفضاء، بغض النظر عن مصير القلم الحبر.*  كم من أوضاع معقدة فككتها أدوات بسيطة، لأن التحدي الكبير ليس في توافر الأداة، بل في توافر العقل المشبع بنمط التفكير الثائر على الواقع، المتمرد على الهزيمة، المستعصي على الانبطاح، فالعقل إن آمن بقدرته على فك التعقيد أبدع أدوات البطولة، وهل كانت النهضة في الصين التي عانت من احتلال أكثر من دولة لها وغرقت في الفقر والتخلف إلا حجة على بني الإنسان المهزومين؟! وحرِّر عقلك من وهم العقد بنظرة إلى اليابان المتألقة التي دمرتها الحرب وحاولت تشويه نفسية شعب، بل وتأبى الأرض أن تستقر بها فتجتاحها الزلازل، لكنها في النهاية تقدم نموذجاً لعبقرية الإنسان القادر على فك العقد.  إنه قرار يعكس قدرة العقل، إما قرار خطابي هارب يحيل العجز عن التفكير  إلى الواقع المعقد، أو قرار علمي جريء ..."ستبدأ عملية التفكيك"  على عشاق التحولات الحضارية إدراك أن العقد غالباً ما كانت حتمية الوجود في حياة الأمم، وأنها ليست الشبح المخيف بل التحدي المستفز، فيتعرفون عليها جيداً بشكل علمي، ثم يبدأون بتفكيك العقدة الرئيسة، لتتوالي حركة الدومينو، وتُحَّل العقد صاغرة، وتُفتح بوابة المستقبل، وليس بالضرورة أن وسيلة تفكيك الواقع المعقد ستكون معقدة، المهم ألا يُشل العقل وتصيبه هلوثة العقد، فيضرب عن عملية التفكير متوهماً أنه أوتي الحكمة قائلاً... "الوضع معقد جداً".

-------------

* للرجوع إلى تفاصيل اختراع قلم للكتابة يستخدمه رواد الفضاء يمكن زيارة موقع الوكالة الفضائية NASA  http://history.nasa.gov/spacepen.html

Trackback URL for this post:

http://aoc.fm/site/trackback/125

المقال جمييييييل جدا جدا وفيه فكرة جامدة جدا وهقول رأي فيه تاني بعد القراءة الثانية ان شاء الله قريبا

شكرا على هذا المقال أو هذه المقالات التي تصب في ثقافة النجاح أو التنمية البشرية الخلاقة.
مزيدا من المقالات المشابهة ما أحوجنا نحن العرب إلى هذا التغيير في نفوسنا .

الأستاذ / رجل مسلم
أكاديمية التغيير أسست في 2006، أي أنها لم تكن موجودة وكذلك موقعها منذ سنتين، ولم تطرح يوماً نفسها كمورد حلول لمصر أو لغيرها.
فهي مؤسسة علمية أكاديمية تأسست في لندن، ومهتمة بالبحث العلمي وتطويره وتعزيز ثقافة التغيير. وهي مهتمة كذلك بالكتابات المعنية بتغيير أنماط التفكير.
وهي إذ تعرض تجارب وعلوم التغيير فهي تعرضها بعلمية دون تحيز لقطر دون آخر، وتوفر كتالوج من تجارب الإنسانية ليس للاستنساخ، وإنما للاستفادة وفتح آفاق جديدة للتفكير.
إنها مدرسة علمية للتفكير تحرص على تخريج قيادات على دراية جيدة بعلوم التغيير وتمتلك أنماط تفكير متطورة لا تنتظر حلولاً من أحد بل قادرة على إبداعها. وهي لم تدعي يوماً في تصريح إعلامي أو مقال صحفي أو لقاء تلفزيوني أو على صفحات موقعها الرسمي أن دورها أن تتدخل بحل مباشر لمشاكل الأقطار.
وموقعها منذ أن دُشن على الإنترنت في 2006 لم تتغير طبيعة ونوعية محتواه على الإطلاق.
تلك الطبيعة المهتمة بتطوير علوم التغيير ونشرها والتواصل مع المؤسسات العالمية العلمية من أجل توفير السنارة العلمية، وليس اصطياد السمكة لهذا القطر أو ذاك.
شكراً جزيلاً لك على مداخلتك.. ونرجو أن نكون قد أوضحنا الصورة

منذ حوالى سنتين تابعت وشاركت فى المناقشات التى دارت فى ملتقى الإخوان والتى تلت خروج الإخوان إلى الشوارع وكان من أبرز المنتقدين لمواقف الإخوانية والتى تتسم بالغباء السياسى شخص يكتب تحت إسم قائد ودعانا لزيارة موقع أكاديمية التغيير وكان الموقع لا يزال فى بداياته . أعتقد أن الهدف الرئيسى من إنشاء الموقع كان وضع حلول للحالة المصرية ولكن للأسف الشديد أصبح الموقع يحتوى على مقالات رائعة ولكن لا تقدم حل للمشكلة . معظم الدراسات التى قرأتها هنا تصلح لا تصلح للتطبيق فى مصر . بإختصار شديد التغيير فى مصر لن يأتى إلا من خلال :
1. اتفاق الإخوان مع الشخصيات الوطنية أمثال المسيرى والخضيرى والبشرى على قيادة مظاهرة هدفها الأول والأخير إزاحة النظام ، وتكون المظاهرة تحت قيادة شخصية وطنية عليها إجماع
2. يقوم الإخوان بترتيب مظاهرات على غرار مظاهرات 2005 .... هذا هو الطريق الوحيد الذى سيشجع الناس على الخروج ولا ننسى أن الناس الآن تنتظر لحظة الخلاص ... وأخيرا أسجل إعجابى بالمقال والذى أعتقد أننى سأقرأه مرة أخرى عندما أحرر أهلى من أسوأ حكم مر على مصر

دائما تزلزل عقولنا م. وائل

" فليست العقدة في كيفية إجبار القلم الحبر أن يكتب رغم أنف قانون الجاذبية، لكن العقدة كانت كيف نكتب في الفضاء، بغض النظر عن مصير القلم الحبر "

اعمال العقل مع المرونة وعدم الجمود .. حينها لن يصبح الوضع معقد جدا ً :)

درس اخر يضاف الى دروس تحرير العقل

شكر الله لكم

اروع ما كتبه المهندس وائل عادل

فكرة لا يختلف عليها اثنان ولا يحتار العقل فى تفسير ما خلفها ولا يشك قارئ فى حيادها

لك جزيل الشكر

ممتاز أستاذ وائل مقال رائع

إما قرار خطابي هارب يحيل العجز عن التفكير إلى الواقع المعقد، أو قرار علمي جريء …”ستبدأ عملية التفكيك”

التغيير ببساطة

فلسفة التغيير

استراتيجيات التغيير

 

 

قسم الدراسات

مقالات وداراسات الأكاديمية

المكتبة

الاطلاع للمسجلين فقط "الاشتراك مجاني"

قسم تكنولوجيا اللاعنف