You are hereابتعد كي تقترب
ابتعد كي تقترب
فن الرؤية الكلية
م/ وائل عادل
3/7/2007
وقفَتْ أمام المرآة… اقتربَتْ… ابتعدَتْ قليلاً… اقتربَتْ… اقتربَتْ جداً… ابتعدَتْ جداً…
اقتربَتْ لتزيل آثار صابون على فمها… وابتعدَتْ قليلاً لتسرح شعرها… اقتربَتْ لتزيل بقايا شعر على كتفها… اقتربَتْ جداً لرؤية عينها التي احمرت لتعاقبها على السهر… وابتعدَتْ جداً لترى كامل صورتها في المرآة وتتأكد من تناسق ألوان الزي مع الحذاء.
إننا نمارس بصفة يومية هذا السلوك بين الاقتراب والابتعاد، وندرك بطبيعتنا أن رؤية الأشياء وفهمها يتطلب الابتعاد كما يتطلب الاقتراب. إنها كلها أدوات للرؤية، يجدر استخدامها بفن وتلقائية. غير أننا نحتاج المزيد من هذا الفن والتلقائية في تعاملنا اليومي مع الأفكار، وتكوين وجهات النظر، فعندما تبدي رأيك في مؤسسة أو قضية تجد أحياناً صواعق تنصب عليك، كأن تخترق أذنك مقولات مثل “أنت لا تمتلك الصورة الكلية”، “أنت تتحدث وأنت بعيد عن الحدث”، والعجيب أننا إذا سلمنا بأن على كل صاحب رأي - قبل أن يتحدث -أن يلتحق أولاً بالمؤسسة أو الحزب الذي يبدي رأيه فيه؛ لكان على المحلل السياسي الذي يدين الاقتتال الداخلي أن يحمل مدفعه وينخرط في صف من يدينه ليستوعب الموقف، ولطلبت الحكومات من أحزاب المعارضة - قبل أن تعارض- أن تنضم إلى الحزب الحاكم لعلها تتفهم عظم المسئولية، ولأصبح واجباً على الشعوب الرافضة للهيمنة الأجنبية أن تستسلم لبرنامج الهيمنة أولاً لعلها تدرك ما لم تدركه بعيداً عن البرنامج.
ترى هل تفعل المؤسسات نفس الأمر مع المادحين؟؟ هل تقول لهم لا تمدحوا قبل أن تقتربوا الاقتراب الكافي؟؟ فإن كانت منهجية النقد -سلباً أو إيجاباً مدحاً أو ذماً- قائمة على الاقتراب، فلم لا تُعتقل كلمات الثناء والمديح، ولا يفرج عنها إلا إن ثبت اقتراب المادح من الفكرة؟!
يقولون “من يده في النار ليس كواضع يده في الماء”، وهذا صحيح فالذي يضع يده في الماء أقدر على علاج صاحب اليد الملتهبة، الذي في الغالب سيفقد القدرة على إعمال عقله، وليس من الحكمة أن نرسل له كتيبة إسعاف أكلتها النار. ربما اشتم منها رائحة الموت، بدلاً من أن تنعشه بعبير الحياة.
إننا أمام سؤال جوهري… ما طبيعة الاقتراب المطلوب حتى يمكن محاورة المؤسسات وأصحاب المشاريع، وما درجة هذا الاقتراب؟ وكيف يتم؟ ألسنا أحياناً نكتفي بالاقتراب من المنتج حتى نحكم على الأمور؟ ألست إن قدمت لك وجبة فاسدة في مطعم تشتاط غضباً وربما توجع الإدارة توبيخاً إن قالت لك: “معذرة سيدي… أنت لا ترى الصورة الكلية … أنت تحكم على الظاهر… لدينا فريق طهي محترف”.. أليست بعض المؤسسات كالبنوك ترتضي وجود صندوق الشكاوى كوسيلة لتلقي الآراء من الخارج دون أن تشترط على المقترح الإلمام بتفاصيل إدارة البنك، ولم نر فريق كرة قدم يتهم مشجعيه بأنهم في برج عاجي عندما ينهالون على فريقهم بالعتاب وينادونه بوقف عبث إضاعة التسديدات رغم أنهم لا يعلمون كثيراً عن ملابسات إخفاق الفريق. إننا بحاجة إلى تحديد معنى الاقتراب.. فهل يكفي الاقتراب من المنتتج؟ هل تكفي رؤية المسار والنتائج للحكم بأثر عكسي على خلل أو صواب الإجراءات غير المرئية؟؟!! أحياناً يكون الابتعاد المكاني هو عين الاقتراب من تكوين صورة سليمة، فالابتعاد مطلوب لتجنب التفكير تحت مطارق الضغوط. وهو في ذات الوقت اقتراب من فهم الواقع، ورؤية صورة لا يمكن التقاطها إلا من بعد، والاقتراب المكاني كذلك مطلوب لأخذ بعض الصور التفصيلية الدقيقة. لذلك فصناعة المستقبل تتطلب مؤسسات واعية، تتلمس آراء المحلقين، وتفتخر بحجم الراصدين لها على اختلاف ارتفاعاتهم، وتؤمن بأهمية دور التقويم القريب البعيد، فهو قريب بعمق أدوات رصد الظاهرة بمختلف أبعادها، وبعيد عن أن يذوب فيها أو يكون جزءاً منها. فشتان بين الاقتراب والانخراط. شتان بين أن تقترب لتذوب، وبين أن تقترب لترصد. نحن في حاجة إلى ارتفاع مناسب للتحليق، فإن ارتفعنا بعيداًً رأينا المعالم الكبرى دون التفاصيل، وإن اقتربنا شيئاً فشيئاً تبدأ التفاصيل تتضح، لكنك إن هبطت إلى الأرض عجزت عن رؤية الصورة كاملة، فربما ظننت العالم هو المربع الذي تقف فيه.. فكيف إذا كنت مدفوناً داخل الأرض؟؟!! حينها ترى العالم كتلاً صخرية، وتتخذ من شعاع الشمس عدواً!!









م.وائل موضوعاتك رشيقة و شيقة و تصيب الهدف فى الصميم
حفظك الله
ماذا تعفل فى أناس أو مؤسسات أو انظمة حكم لا تريد إلا ان تسمع صوت نفسها
جزاك الله خير
الأول نتعلم نقرب من نفسنا اذا عرفنا نقرب صح هنقدر نقرب صح من غيرنا وعلى رأى الثل فاقد الشىء لا يعطيه
المقالة ممتازه ..وهي هامة لمن ينظر للامور بواقعية ويريد حلا حقيقيا.عليه ان يهتم بالاراء الناقدة ولايبعدها كما يهتم تماما بالعاملين فقط لدية دون نقد .
نحتاج الي كل شيء الي العامل والناقد والمادح ايضا ..
ان المقالة جيدة جدا ..لمن يريد ان يجيد النظر للامور والا يكون اسير نظره واحدة . فمثل هذا لن يتحرك الحركه السليمة ما دامت رؤيته اما اقتراب واما ابتعاد .
مشكور اخي وائل . ونطمح في كثير من هذه المقالات التي تحرر العقول وتوقذ فيها منابع الفكر والنظر .
هناك خلط موجود عندنا فى التفكير فيما يخص : ان من يوجد النظرية او الاقتراح لابد ان يكون قادرا على انفاذه فى حيز الواقع لآنه هو صاحب النظرية او المقترح وانه
ادرى الناس باليات ووسائل التنفيذ
والمعوقات التى قد تقابل النظرية وكيفية حلها
بمعنى اخر لازمن يبقى واحد سوبر والا فلا يتقدم بمقترح او اى رأى أخر يعارض به الرأى المتبع او الفكر السائد
وهذا كله فى رأى غير دقيق فليس كل صاحب رأى يملك من القدرات التنفيذية لانجاز مقترحه فى حيز الواقع والا لكانت الدنيا سهلة وحلوه وكان اللى نفسه فى عربية او شقة بمواصفات بيحلم بيها كان راح هو نفذها بنفسه وعمل التصميم وراح اشتغل مقاول خرسانة وحدادة ...والخ ما هو صاحب الفكرة والاقتراح! ولازمن ينفذه
لابد ان نفصل بين مستوى الافكار والنقد
وهذا يعتبر من اهم الاعمال وله اصحابه
وبين مستوى التنفيذ
وهذا له اصحابه ايضا
هذا اولا
اما ثانيا
فان الغوص فى تفاصيل الاشياء وعدم الابتعاد لرؤية الشكل من الخارج يجعل الانسان كترس فى ماكنة هو شايف نفسه شغال والمكنه شغالة والعملية مية مية
وفى الاخر تجد ان المكنة متركبة فى عربية فول اوبشن وفيها كماليات كبيرة وهامة لآى عربية
بس العربية شغالة وواقفة فى المكان وما بتتحركش
هنا لازمن الواحد يبتعد عشان يشوف العربية
مش يقرب ويشوف المكنة الشغالة
المهم فى الاخر العربية انها تمشى فى الطريق الصح
وسلملى على الهسس
لا أتفق مع الحذر و في الحقيقة لدي تساؤل مشروع أيضاً ...
هل نعتقد أن النظرية مبرر للقعود (إذا صح أصلاً أن نقول أن التفكير ليس عملاً) فعلاً أم أننا بالأصل لا نفعل شيئاً حقيقياً و نخشي من كشف هذه الحقيقة ؟؟!!!!
أعتقد أن كلام السيد
m salah
صحيح في أنه يجب عدم تبرير القعود والاكتفاء بالنقد
لكن في بعض الأحيان لا يملك الإنسان عملاً مثل المشهد الفلسطيني الحالي مثلاً، فربما ينقد لكن ليس لديه الفرصة ولا صلاحية أن يغير الموقف
فالحذر في محله.. وأحياناً قد لا يكون أمامك سوى النقد... لأنه يمثل صرخة تحذر بها الآخرين.
اشكراخوانى فى الاكاديمية على هذه المفاهيم الجديدة التى ترسم لنا طرق جديدة فى انماط التفكير الغير تقليدية لتحرير العقول من المورثات فهنا ايجابية تلوح به المقال وهنا حذر اخشى منه
أما الايجابية :
1- عدم تبرير ترك اراء المخالفين فى الراء لمجرد انهم لا يتحسسون مجرايات الامور
( ايديهم فى الماء البارد ) دون الانتباه الى الايجابيات فى اراءهم .
2- ضرورة نظرية الابتعاد والاقتراب من المواقف المختلفة لتحديد كل الزوايا الممكنة للرؤيا الشاملة المنوطه بالانسان
اما الحذر الذى اخشى منه ان تكون هذه النظرية فى حد ذاتها لون من الوان المبرارات المضاده لتبرير جلوس الناقدين على كراسيهم دون الالتفات الى انهم لايفعلون شئ